الدبلوماسية الملكية

أجوبة الاستاذ بنحمو

أسئلة ملف العدد الخاص " بالعلاقات المغربية الإفريقية"

حوار مع : د. محمد بنحمو، رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية (CMES) ورئيس الفدرالية الإفريقية للدراسات الاستراتيجية.

 

             تاريخ العلاقات المغربية الإفريقية

إذا كانت الجغرافيا قد قضت بأن يكون للمغرب تاريخ وذاكرة إفريقيتين بحكم موقعه الجيو-استراتيجي بشمال غرب إفريقيا، فقد حتمت سياساته وعلاقاته المتميزتين تجاه شعوبها أن يبرز كتاريخ متطور ومزدهر يزيد المغرب انتماءً للحضن الإفريقي والأفارقة ثقة في حُسن وأهمية جواره. فتاريخية العلاقة مع إفريقيا، أو مع ما كان يطلق عليه سابقا ببلاد السودان، يمتد إلى قرون من العلاقة الدينامية المتشعبة، تحددت مبكرا في غرض تطوير التبادل التجاري، الذي اتخذ اليوم لباس تعاون واعتماد متبادلين، تحقيق الولاء والتحالف السياسيين، الذي يتخذ في حاضرنا لباس التقارب والشراكة،ونشر رسالة الدين الإسلامي-التي أضحت اليوم مشتركا بين المغرب وجواره الإفريقي لنشر التسامح والاعتدال في عصر التطرف السياسي والديني.

لقد شكل المغرب وبامتياز بوابة العالم إلى إفريقيا وبوابة للأفارقة نحو العالم بفضل دبلوماسيته المتعددة الأطراف التي شًهد لها عبر التاريخ بالحركية والاعتدال. فعلى الصعيد الإفريقي تقوت علاقاته الإفريقية على أساسها ابتداءا من القرن الخامس عشر مع انتشار الطرق الصوفية، خصوصا الطريقة القادرية، التي عرفت ازدهارا خلال القرن الثامن عشر  كما عرفت الدبلوماسية الروحية للمغرب دينامية جديدة مع انتشار الطريقة التيجانية خلال القرن التاسع عشر.وعلى الرغم من أهمية البعد الديني للدبلوماسية المغربية، فقد انبنت الأخيرة كذلك على عوامل مادية أخرى، كالتجارة التي كانت تعتمد آنذاك على مادتي الذهب والملح، وهذا الاعتماد التجاري المتبادل، هو ما سمح للإمبراطورية المغربية أن تتقوى بالشكل الذي ظهرت عليه، وبفضله قامت الإمبراطوريات المتعاقبة على حكم بلاد السودان والتي تعد إشراقة في تاريخ إفريقيا جنوب الصحراء.

وفي حقبة التاريخ الحديث، خاصة مع فترة الاستعمار وصولا إلى الحرب الباردة،شهدت العلاقات المغربية الإفريقية درجة عالية من التنسيق والتضامن في العديد من قضايا الاهتمام المشترك، كمكافحة الاستعمار وتحقيق التحرر والاستقلال، تكثفت مع حصول المغرب على استقلاله، حيث كرس جزءا مهما منه لتقديم الدعم السياسي لحركات الاستقلال في أفريقيا، وتعزيز علاقاته التعاونية والتضامنية مع حكوماتها بعد استقلالها. وفي خضم هذه الفترة بدا المغرب واعيا بأهمية البعد المتعدد الأطراف في دبلوماسيته الإفريقية، لذلك عمل على تقوية مركزه في إطار منظمة الوحدة الإفريقية منذ تأسيسها سنة 1963، والعودة إليها بقوة في مسماها الجديد -الإتحاد الإفريقي- سنة 2017 بعد أن انسحب منها كرها لأسباب تعلقت أساسا بمواقفه الثابتة و تمسكه بوحدته الترابية في قضية الصحراء، وفي مواجهة سياسات خصومه التي تجاوزت القوانين والأعراف الدولية/الإفريقية في محاولة النيل من السلامة الترابية لدولة إفريقية وترتيب الاعتراف بسيادة دولة وهمية داخل أروقة المنظمة.

 الانجازات المغربية لتطوير العلاقات المغربية الإفريقية خلال العشر سنوات الأخيرة 2007 – 2017 التعاون جنوب- جنوب

كما أشار صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه التاريخي بأديس أبابا أمام المشاركين في القمة 28 للإتحاد الإفريقي، فرغم التحديات، ظلت روابط المغرب بإفريقيا مستمرة، بل ومتعززة مع مجموع المنجزات التي حققها المغرب في إطار سياسة التعاون والتضامن التي انتهجها تجاه جواره الإفريقي. في هذا الصدد، استطاع المغرب تطوير علاقات ثنائية قوية وملموسة مع جواره الإفريقي، حيث أبرم مع العديد من بلدانها منذ سنة 2000، حوالي ألف اتفاقية همت مختلف مجالات التعاون، وهو عدد يضاعف مجموع الاتفاقيات التي وقعها المغرب مع دول القارة الإفريقية، بمعدل 515 اتفاقية، منذ الاستقلال (1956) وإلى حدود سنة 1999.

خلال هذه السنوات، قام جلالته بقيادة هذا التوجه، بإعطائه دفعة رمزية في مجموع الزيارات المكثفة التي أقامها إلى مختلف جهات ومناطق القارة، حيث حملت في طياتها مشاريع تعاون وتضامن مختلفة، تبقى منها على الخصوص تلك التي تعود بالفائدة وذات الارتباط اللصيق بالعيش اليومي للمواطن الإفريقي. كما أولى المغرب، في هذا الصدد، عناية خاصة لمجال التكوين، المتواجد في صلب علاقات التعاون المغربية مع البلدان الإفريقية.  وبفضل آلاف المنح التي خصها المغرب لمواطني دول إفريقيا جنوب الصحراء تمكن العديد منهم من متابعة تكوينهم في المغرب. هذا مع الإشارة إلى مجموع الاستثمارات التي أقامها المغرب على صعيد القارة، جعلت منه بلغة الأرقام ثاني مستثمر بالقارة الإفريقية، وبمؤشرات السياسات التنموية، رائد الرؤية الفريدة في تحقيق تعاون أفقي، جنوب-جنوب، ذو مصداقية في واقعيته وواقعي في تضامنيته لأجل وفي صالح النهوض بإفريقيا.

 الزيارات الملكية و دورها في تطوير العلاقات المغربية – الأفريقية في المجال السياسي، الديني و الثقافي…

تأتي الزيارات الملكية لمجموعة بلدان إفريقية في إطار تقوية روابط التضامن والتعاون بين المملكة ومحيطها. كما تعتبر إشارة تعكس التقدير والاحترام الكبير الذي يحظى به جلالة الملك لدى رؤساء وشعوب إفريقيا، والمكانة التي يحتلها الجوار الإفريقي في عنايته واهتمامه. وفي عكسها قرب جلالته من مشاكل إفريقيا  وتطلعاتها، فيمكن عد زياراته كتكريس لتعامل جديد مع الدول الإفريقية، متجاوزا للعقلية الاستغلالية، ومبني على أسس الشراكة المُستحضِرة للمصير المشترك وللعلاقات الإنسانية في أسمى معانيها.

 الانفتاح  المغربي على دول شرق إفريقيا دلالاته السياسية – الاقتصادية ؟

إن الجولة التي بدأها صاحب الجلالة الملك محمد السادس لبلدان شرق وجنوب شرق إفريقيا، تعد بمستقبل واعد، وتبشر بعهد جديد في علاقات التعاون بين المغرب وهذه الدول. فمن شأنها تقوية أواصر تعاون استراتيجي معمق تريده المملكة  في لحظة حضورها القوي والوازن على صعيد القارة. كما ستكون مناسبة لتنويع الشراكات وتعزيز موقع المغرب على المستويين الإقليمي والدولي. فضلا عن ذلك، فإن الزيارة الملكية لهذه البلدان تروم إلى النهوض بالتعاون مع إفريقيا الأنجلو- ساكسونية، خاصة وأن المغرب يمتلك تجربة رائدة في إفريقيا تجسدها المشاريع التنموية المنجزة والإتفاقيات المبرمة خلال مختلف الزيارات التي قام بها جلالته للعديد من البلدان الإفريقية الشقيقة والصديقة.

وتعد مشاريع الاستثمار في قطاعات الفلاحة والنقل والملاحة والتكوين المهني وتبادل البعثات، ضمن الأوراش الكبرى التي تم الاتفاق على إنجازها في زيارة جلالة الملك محمد السادس لدول شرق إفريقيا، وذلك بهدف تطوير العلاقات الاقتصادية، والترويج للمنتجات الإفريقية، وإنعاش المبادلات التجارية والاستثمارات في القارة.

 الخطاب الملكي التاريخي  بأديس أبابا.

الخطاب الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس في “أديس أبابا” أمام المشاركين في القمة الـ 28 للإتحاد الإفريقي، كان خطاب القمة بامتياز في تركيزه على الوحدة الإفريقية وإعلانه تأسيس عهد متقدم وواعد بين المغرب ودول إفريقيا. ففي ثناياه، كشف جلالته الدور الريادي للمغرب على الصعيد القاري في مختلف مجالات التعاون والتنافس، ومدى مقدرة المغرب على الاستفادة من تحول السياق القاري وقدرته على جعل  الجماعة الإفريقية مؤسسة حقيقية. كما استغل جلالته المناسبة ليجدد تمسك المملكة المغربية بتكريس قيم التضامن بين جميع الدول الإفريقية، بالاعتماد على القدرات الذاتية الهائلة للقارة السمراء، لأجل تحقيق خطوات حاسمة في المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

وبالنظر إلى خطاب جلالته كقرار سيادي بعودة المغرب إلى أحضان الإتحاد الإفريقي، فلا يسع إلا النظر إليه كقرار تاريخي ينم عن مسؤولية وعن تفكير ناضج ينظر بتقدمية وثقة إلى مستقبل لا محيد للمغرب عن إفريقيا ولا محيد لإفريقيا عن المغرب. كما أتى مسؤولا كقرار في سعي رسائله الصريحة والضمنية إلى تجنيب القارة مزيدا من التفرقة بإعلائه وتأكيده قيم التعاون والتآزر.

هذا مع التأكيد أن القرار قد أتى، من جهة أخرى، ليمنح القارة الإفريقية الفرصة لتصحيح خطأ تاريخي ارتكب في حق بلد عريق ساهم في دعم حركات تحرير واستقلال شعوبها، سواء من خلال مساهمات جلالة المغفور له الملك محمد الخامس أو جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، واللذان عملا لصالح الاتحاد الإفريقي واستثمرا جهودا تاريخية لكي تكون إفريقيا قارة واعدة بثرواتها وإمكانياتها. ويبقى هذا الخطأ الذي دفع المغرب إلى الانسحاب من مؤسسات منظمة الاتحاد الإفريقي دون ترك إفريقيا، إلى اليوم، انقلابا حقيقيا ضد الشرعية الدولية وردة كبيرة على مبادئ إفريقية في الوحدة الترابية واحترام السيادة. وعليه، يتعين على الاتحاد الإفريقي اليوم تصحيح هذا الخطأ التاريخي، والتخلص من هذا العبء الموروث والإرث السيء الذي خلفته منظمة الاتحاد الإفريقي، وذلك بالتوقف عن الاستمرار في إيواء الكيان “الصحراوي” الوهمي الذي كان ولا يزال خارج اعتراف دول العالم وكياناتها، وعلى رأسها منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية.

 الآفاق المفتوحة للمغرب بأفريقيا و المتاحة لدول أفريقيا بعودة المغرب لحضن الاتحاد الإفريقي.

كما أخذ المغرب على عاتقه، فالتعاون مع دول القارة الإفريقية سيظل خيارا استراتيجيا ذو أولوية بالنسبة للمغرب، مبني على تبادل الخبرات وتعزيز وتطوير العلاقات في مجالات الاهتمام المشترك السياسية الاقتصادية والتنموية، في إطار تكامل إقليمي حيوي مبني على شراكة جنوب- جنوب أسسها التضامن والفاعلية. ويبقى هذا الخيار غير مقتصر فقط على الحفاظ على الروابط المتجذرة مع دول إفريقيا أو ضمان توازن أفضل في العلاقة مع اقتصادياتها الصناعية، بل يتجاوز ذلك بتبني هدف جعل التنمية بإفريقيا، التي تعاﻧﻲ الخصاص رغم وفرة الموارد الطبيعية، عملا تشاركيا و جهدا جماعيا، حتى تنهض القارة بإرادة أكثر قدرة وعزما من ذي قبل على مواجهة تحديات ورهانات المستقبل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق