الدبلوماسية الثقافية

القفطان المغربي ذاكرة حضارة تنسج الخلود بخيوط الذهب

من أروقة التاريخ وسجلات الدول المتعاقبة إلى منصات الأزياء الراقية، واصل القفطان المغربي رحلته عبر القرون محتفظاً بروحه وأصالته وقدرته الاستثنائية على التجدد. ولم يكن إدراجه ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى منظمة اليونسكو، في العاشر من دجنبر ألفين وخمسة وعشرين، مجرد اعتراف بزي تقليدي بالغ الأناقة، بل تتويجاً لإرث حضاري عريق، واحتفاء بعبقرية الصانع المغربي، وإقراراً بقدرة المملكة على تحويل ذاكرتها الحرفية الحية إلى لغة عالمية للجمال والإبداع.

إن عظمة الحضارات لا تقاس بما تشيده من صروح ومعالم فحسب، وإنما تتجلى أيضاً في قدرتها على صون أدق تفاصيل حياتها اليومية ونقلها من جيل إلى آخر. ففي ثنيات الأقمشة، ودقة التطريز، وانسجام الألوان والخطوط، تختزن الشعوب صفحات من تاريخها، وآثار تفاعلها مع الحضارات الأخرى، وفلسفتها الخاصة في فهم الجمال.

وينتمي القفطان المغربي إلى تلك الإبداعات النادرة التي تتجاوز قيمتها وظيفتها الأصلية. فهو ليس مجرد لباس يكسو الجسد، بل تعبير جمالي يروي تاريخ وطن، ويجسد تنوع روافده الثقافية، ويكشف عن قدرة المغرب على صهر مؤثرات متعددة في هوية فنية متفردة.

وقد شكل الاعتراف الدولي بالقفطان المغربي، خلال الدورة العشرين للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي المنعقدة في نيودلهي، محطة بارزة في مسار تثمين العبقرية الحرفية المغربية.

فقد أدرج هذا العنصر، بناء على ملف تقدمت به المملكة المغربية، تحت التسمية الرسمية القفطان المغربي فن وتقاليد ومهارات، ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، في اعتراف يتجاوز القيمة الجمالية للباس ليشمل المعارف المتوارثة والممارسات الاجتماعية والجماعات الحرفية التي حافظت على استمراره عبر الأجيال.

جذور ضاربة في التاريخ وهوية صاغتها الحضارات

لا يمكن اختزال تاريخ القفطان المغربي في حقبة بعينها، أو حصر نشأته في مصدر جغرافي واحد. فقد ارتبطت الألبسة الطويلة، عبر التاريخ، بحركة التجارة وانتقال الثقافات والتأثيرات المتبادلة بين المشرق والعالم المتوسطي وشمال إفريقيا.

غير أن خصوصية القفطان المغربي تكمن في المسار الذي قطعه داخل المجتمع المغربي، وفي التحولات العميقة التي شهدها حتى اكتسب ملامحه الفنية وتقنياته الحرفية ورموزه الجمالية الخاصة.

فعلى امتداد الدول التي تعاقبت على حكم المغرب، أسهمت تقاليد اللباس في الحواضر الكبرى والأوساط الحرفية في تطوير هذا الزي وإغناء عناصره. كما تفاعلت التأثيرات الأندلسية والمتوسطية والأمازيغية والعربية الإسلامية لتشكيل منظومة جمالية أصبح القفطان أحد أبرز تجلياتها.

وقد اضطلعت مدن فاس ومراكش وتطوان والرباط وسلا بأدوار محورية في ترسيخ تقاليد النسيج والخياطة والتطريز والزخرفة، كل وفق خصوصياتها التاريخية والحرفية.

وفي ورشات الصناع التقليديين، وداخل التنظيمات المهنية العتيقة، وفي البيوت التي تناقلت أسرار الحرفة جيلاً بعد جيل، تبلورت تدريجياً قواعد دقيقة لصناعة اللباس الاحتفالي المغربي، تجمع بين جودة الخامات ودقة الإنجاز وتناسق الزينة.

ومع مرور الزمن، أصبح القفطان علامة على الرقي والتميز والمكانة الاجتماعية، قبل أن تتسع دائرة حضوره ويترسخ في الوجدان الجماعي باعتباره أحد أبرز رموز الأناقة المغربية.

وتكشف هذه الرحلة التاريخية عن إحدى الخصائص العميقة للحضارة المغربية، وهي قدرتها على استيعاب المؤثرات الوافدة وإعادة تشكيلها دون التفريط في شخصيتها.

فالقفطان المغربي ليس نتاج تقليد جامد، وإنما ثمرة تراكم حضاري طويل، أعيدت خلاله صياغة العناصر الموروثة، وطورت تقنيات الصناعة، وتكيفت الأشكال مع تحولات الذوق والحياة الاجتماعية.

عبقرية الأيادي المغربية والأزياء الراقية التي ولدت في الورشات العتيقة

إن اختزال القفطان المغربي في فخامة مظهره الخارجي يعني إغفال جوهر قيمته الحقيقية. فخلف كل قطعة استثنائية منظومة متكاملة من المهارات الدقيقة، يسهم فيها حرفيون يحملون بين أناملهم معرفة تراكمت عبر أجيال متعاقبة.

فانتقاء القماش، وضبط المقاسات، وتوازن القصات، وإنجاز التطريز، وصناعة الأزرار التقليدية، وتثبيت السفيفة، وإعداد الحزام، كلها مراحل تتطلب تخصصات مختلفة يجمع بينها الالتزام بالدقة والإتقان.

ويعكس البروكار الفاسي، إلى جانب الحرير والمخمل والأقمشة النفيسة، ثراء الموروث النسيجي المغربي. كما تمنح السفيفة التي تحدد خطوط اللباس، والعقاد المصنوعة بعناية فائقة، والتطريزات المنجزة بخيوط الذهب والفضة، القفطان شخصيته البصرية التي يصعب الخلط بينها وبين غيرها.

وقد بلغت بعض تقنيات التطريز التقليدي، ولا سيما تلك القائمة على استعمال الخيوط الذهبية، مستوى من الإبداع جعل من القفطان قطعة فنية متكاملة، تتجاوز حدود صناعة الأزياء إلى مجال الفنون التطبيقية الرفيعة.

وفي هذا التلاقي بين ذكاء اليد وحساسية الفنان تتجلى المكانة الحقيقية للقفطان المغربي.

فالزمن الذي تستغرقه صناعة القطعة الواحدة لا يخضع لمنطق الإنتاج وحده، بل يعكس ثقافة متجذرة تقوم على الصبر والتعلم المتدرج واحترام التفاصيل والسعي إلى بلوغ أعلى درجات الإتقان.

وهذا البعد الجماعي هو ما أولته اليونسكو اهتماماً خاصاً، من خلال إبراز أدوار النساجين والخياطين وصناع الأزرار والسفيفة والمطرزين، فضلاً عن أهمية التكوين داخل الأسر والورشات والمؤسسات المتخصصة.

وفي زمن تميل فيه صناعة الأزياء العالمية إلى التسارع وتوحيد المنتجات والتجديد المتواصل للمجموعات، يقدم القفطان المغربي تصوراً مغايراً للفخامة، قوامه التمهل والإتقان والتفرد وقيمة العمل الإنساني.

إن الفخامة الحقيقية لا تولد دائماً من سرعة الإنتاج، وإنما قد تكون ثمرة ساعات طويلة من العمل الصامت، ودقة لا تقبل المساومة، ومهارة لا تستطيع الآلة أن تعوض روحها الإبداعية.

من هيبة المناسبات إلى جرأة الإبداع المعاصر

تتجلى إحدى أسرار استمرار القفطان المغربي في قدرته على مواكبة الزمن دون الانفصال عن جذوره.

فهو لم يبق أسير النماذج التي ورثها عن الماضي، بل رافق تحولات الذوق العام وتطور مكانة المرأة داخل المجتمع وتغير أنماط اللباس وأساليب التعبير عن الأناقة.

ولئن ارتبط القفطان تاريخياً بالمناسبات الكبرى والاحتفالات العائلية واللحظات الاحتفالية ذات الطابع الرسمي، فإنه استطاع، بفضل خيال المصممين المغاربة وجرأتهم، أن يفتح لنفسه آفاقاً جديدة في عالم الموضة.

وتشكل التكشيطة، بما تتميز به عادة من قطع متعددة ومتراكبة وحزام متقن الصنع، وجهاً آخر من وجوه الغنى الجمالي للباس التقليدي المغربي، مع احتفاظها بخصائصها التي تميزها داخل هذه المنظومة الثرية.

أما القفطان المعاصر فقد أصبح أكثر انفتاحاً على القصات الانسيابية والخامات الخفيفة والتوليفات اللونية المبتكرة، وعلى قراءات تصميمية تستلهم اتجاهات الموضة العالمية دون أن تتخلى بالضرورة عن البصمة الحرفية المغربية.

فقد تتراجع كثافة التطريز لصالح البساطة الراقية، وقد تصبح الخطوط أكثر هندسية، والزخارف أكثر اقتصاداً، غير أن روح القفطان تظل حاضرة في توازن عناصره وفي التفاصيل التي تمنحه هويته.

ولا يمثل هذا التطور قطيعة مع التقاليد، بل يؤكد قدرة التراث الحي على تجديد أدوات التعبير عن نفسه.

فالتراث الذي يتوقف عن التطور معرض لأن يتحول إلى مجرد موضوع للعرض والتأمل، بينما نجح القفطان المغربي في الاحتفاظ بمكانته داخل الحياة الاجتماعية، وفي المناسبات العائلية، وفي إبداعات تستجيب لأذواق الأجيال الجديدة.

وقد رافق هذا التحول أيضاً تطور حضور المرأة المغربية وأشكال تعبيرها عن شخصيتها.

فالقفطان اليوم ترتديه نساء من أجيال ومهن وبيئات اجتماعية مختلفة، وقد أصبح وسيلة للتوفيق بين الاعتزاز بالهوية الثقافية والاختيار الشخصي والحرية الجمالية.

ولم يعد بذلك مجرد لباس للمناسبات، بل تحول إلى لغة معاصرة تعبر من خلالها المرأة المغربية عن ارتباطها بجذورها وانفتاحها على العالم في آن واحد.

اعتراف اليونسكو تتويج للذاكرة الحرفية والمسؤولية الحضارية

يمثل إدراج القفطان المغربي ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية في العاشر من دجنبر ألفين وخمسة وعشرين ثمرة مسار من التوثيق والتعبئة والتثمين، اضطلعت به المملكة المغربية بمشاركة الجماعات الحاملة لهذا الموروث.

ولم يكن هذا المسار مجرد مبادرة مؤسساتية معزولة، بل استند إلى عمل تراكمي شارك فيه حرفيون وباحثون وممثلون عن المؤسسات العمومية وفعاليات المجتمع المدني.

ووفقاً للقرار الرسمي لليونسكو، كان القفطان قد أدرج منذ سنة ألفين وأربعة عشر ضمن الجرد الوطني للتراث الثقافي المغربي، قبل أن تتواصل جهود إعداد ملف الترشيح من خلال لقاءات نظمت في عدد من المدن المغربية، وورشة وطنية عقدت سنة ألفين وثلاثة وعشرين.

وقد اعترفت المنظمة الدولية بالقيمة الثقافية لهذا اللباس وبإسهامه في تعزيز التماسك الاجتماعي وتنشيط الاقتصاد الحرفي وضمان انتقال المهارات والمعارف بين الأجيال.

ويحمل هذا الاعتراف دلالة رمزية بالغة الأهمية، لأنه يكرس خصوصية تقليد مغربي تشكل عبر مسار تاريخي طويل، دون أن ينفي التفاعلات الحضارية أو أوجه التشابه التي قد تجمع بين التقاليد اللباسية في مجتمعات مختلفة.

فالاعتراف بالتراث غير المادي لا يرمي إلى تجميد الإبداع داخل تعريف نهائي مغلق، وإنما يهدف إلى تثمين الجماعات التي تحمله، والمعارف التي تضمن استمراره، والممارسات الاجتماعية التي تمنحه حيويته.

ومن هذا المنظور، ينضم القفطان المغربي إلى تعبيرات كبرى أخرى من التراث المغربي حظيت بالاعتراف الدولي، من بينها الملحون والتقاليد المرتبطة بالحناء والتبوريدة وفنون كناوة.

وتشكل هذه العناصر مجتمعة ملامح خريطة حضارية ثرية، تتداخل فيها الموسيقى والحرف التقليدية والطقوس الاجتماعية والمعارف الشعبية لتروي تاريخ مجتمع حافظ على تعدده ووحدة شخصيته الثقافية.

القفطان المغربي قوة ثقافية ورأسمال اقتصادي واعد

يفتح الإشعاع المتنامي للقفطان المغربي آفاقاً تتجاوز بكثير حدود صناعة اللباس التقليدي.

فمن خلال عروض الأزياء ودور التصميم والتظاهرات الثقافية والمشاركات الدولية، أصبح القفطان أحد أبرز سفراء الذوق المغربي في العالم.

وهو يؤدي دوراً متنامياً في الدبلوماسية الثقافية، بالنظر إلى قدرته على إثارة اهتمام جمهور دولي قد لا يكون ملماً بتاريخ المغرب، لكنه يكتشف من خلال هذا الإبداع مستوى الرقي الذي بلغته فنونه وحرفه التقليدية.

وفي عالم تتشكل فيه صورة الدول أيضاً من خلال إنتاجها الثقافي وقدرتها على الابتكار وإثارة الإعجاب، يمثل القفطان رصيداً معنوياً واستراتيجياً يستحق أن يحظى بمكانة أكثر حضوراً في سياسات الإشعاع الثقافي للمملكة.

غير أن هذه المكانة لا تقتصر على البعد الرمزي.

فصناعة القفطان تحرك شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، وتوفر فرص العمل لفئات متعددة من الحرفيين والمقاولات الصغيرة والتعاونيات والورشات المتخصصة والتجار والمصممين.

ومع ذلك، فإن الاعتراف العالمي يطرح سؤالاً أساسياً يتعلق بمدى استفادة الصناع التقليديين أنفسهم من القيمة المتزايدة لهذا الموروث.

فالمكانة الدولية للتراث لا تعني بالضرورة تحسن الأوضاع المادية والاجتماعية لأولئك الذين يصنعونه ويحافظون على استمراره.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير منظومة الإنتاج والتسويق، ودعم المصممين الشباب، وتعزيز حماية الإبداعات الأصلية، وتوسيع برامج التكوين المتخصص، بما يضمن استمرار المهارات الأكثر دقة وتعقيداً.

ويظل نقل الخبرات الحرفية إلى الأجيال الصاعدة أحد أبرز التحديات المستقبلية.

فبعض تقنيات صناعة القفطان تتطلب سنوات من التعلم والممارسة، وقدراً كبيراً من الصبر والمهارة، وهي متطلبات لا تنسجم دائماً مع الإيقاع المتسارع لأساليب الإنتاج الحديثة.

ويكمن الخطر في أن تتسع الشهرة التجارية للقفطان بينما تتراجع، في المقابل، المهارات التقليدية التي تشكل أساس قيمته الحقيقية.

لذلك ينبغي ألا تنفصل جهود التحديث عن متطلبات الصون والحماية، بل يجب أن تسهم في تحسين ظروف عمل الحرفيين، وتيسير ولوجهم إلى الأسواق الجديدة، وتوفير بيئة اقتصادية ومهنية تشجعهم على نقل معارفهم إلى الأجيال المقبلة.

صون الأصالة وتحرير الخيال الإبداعي

يقف القفطان المغربي اليوم أمام مسؤوليتين متكاملتين لا يجوز الفصل بينهما.

تتمثل الأولى في صون عناصر أصالته، من تقنيات حرفية متوارثة، وزخارف مميزة، وجودة الأقمشة، وغنى المدارس الجهوية التي أسهمت في تشكيل شخصيته.

أما الثانية فتتمثل في ضمان استمراره فناً حياً قادراً على التطور والحوار مع الإبداع المعاصر واستقطاب أذواق جديدة.

وبين الاكتفاء باستنساخ النماذج القديمة والانجراف وراء تحديث قد يمحو الهوية الأصلية، تبرز ضرورة اعتماد مسار ثالث يقوم على التجديد المستند إلى المعرفة العميقة بالتراث.

وتقع على عاتق المصممين المغاربة مسؤولية خاصة في هذا المجال.

فموهبتهم لا تقاس بقدرتهم على ابتكار قصات جديدة فحسب، وإنما أيضاً بمدى نجاحهم في إقامة جسر فني وثقافي بين خبرة المعلمين التقليديين وتطلعات الأجيال الجديدة.

ومن شأن إنشاء أرشيفات متخصصة في الأقمشة والزخارف، وتوثيق تقنيات الصناعة في مختلف المناطق المغربية، وتطوير التكوين المهني المتخصص، وإحداث فضاءات دائمة للتعريف بهذا التراث، أن يمنح هذه الطموحات بعداً مؤسساتياً مستداماً.

كما تبرز الحاجة إلى تقديم رواية أكثر عمقاً وشمولاً عن القفطان المغربي إلى الجمهور العالمي.

فجماله البصري قادر على إثارة الإعجاب من النظرة الأولى، غير أن تاريخ ورشاته، وأسرار تقنياته، وتحولاته عبر العصور، لا يزال أقل حضوراً مما يستحق في المعرفة الثقافية الدولية.

فخلف كل تطريز قد تختبئ حكاية مهارة انتقلت عبر أجيال، وخلف كل نسيج نفيس تاريخ من المبادلات التجارية والثقافية التي عرفها المغرب، وخلف كل تصميم معاصر حوار متجدد بين الذاكرة الجماعية وحرية الابتكار.

وهذه الأبعاد العميقة هي التي تفصل بين تراث حقيقي للأزياء وبين اتجاه عابر من اتجاهات الموضة.

أناقة مملكة وذاكرة حضارة تتجدد

يجسد القفطان المغربي في نهاية المطاف تصوراً للجمال يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الشعب المغربي وذائقته الحضارية.

فهو يعكس الميل إلى الانسجام، والعناية بالتفاصيل، وغنى الاحتفالات العائلية، والمكانة الخاصة التي تحتلها الحرف التقليدية في الحياة الثقافية للمملكة.

كما يشهد على قدرة المغرب على إقامة صلة متواصلة بين موروثه التاريخي وأحدث تعبيرات الإبداع الفني.

ولئن منح اعتراف اليونسكو القفطان المغربي حضوراً دولياً أكثر رسوخاً، فإنه يضع أيضاً على عاتق المؤسسات والفاعلين والحرفيين مسؤولية متجددة تتمثل في حماية المهارات التي تمنحه الحياة، وصون كرامة الصناع الذين يبدعونه، وتمكين الأجيال المقبلة من تلقي هذا الإرث وإعادة ابتكاره.

فمستقبل القفطان المغربي لن يتحدد حصراً فوق منصات عروض الأزياء العالمية، ولا داخل واجهات دور الأزياء الكبرى، وإنما سيتشكل كذلك في ورشات فاس ومراكش والرباط وسلا وسائر حواضر الإبداع المغربي، حيث لا تزال الأيادي الماهرة تمنح الذاكرة التاريخية أشكالاً جديدة من الجمال.

قد يرى العالم في القفطان المغربي تحفة من الأناقة والفخامة، غير أن المغرب يرى فيه ما هو أعمق من ذلك بكثير.

يرى فيه صفحات من تاريخه، وامتداداً لعبقريته الإبداعية، وتجسيداً لتلك القدرة النادرة التي تجعل حضارة تعبر القرون محافظة على جوهرها، ومتجددة في أشكال التعبير عن ذاتها.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق