ملفات دبلوماسية

من قلعة ويندسور إلى قلب التوازنات الدولية… عُمان تُرسّخ نفوذها بقوة الدبلوماسية الهادئة

لم يكن الاستقبال الملكي الاستثنائي الذي حظي به السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، خلال زيارته الرسمية إلى المملكة المتحدة في أكتوبر 2026، مجرد احتفاء بروابط تاريخية تجمع مسقط ولندن، بل حمل دلالات سياسية تتجاوز المراسم والبروتوكول، في لحظة دولية تتزايد فيها الحاجة إلى شركاء يمتلكون القدرة على بناء الثقة وفتح قنوات الحوار وسط تصاعد التوترات الإقليمية.

ففي قلعة ويندسور، حيث استقبله الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا، بحضور أمير وأميرة ويلز، عكست المراسم الملكية، من استعراض حرس الشرف والموكب الرسمي إلى المأدبة الملكية، المكانة التي تحتلها السلطنة في الحسابات الاستراتيجية البريطانية. وقد اكتسبت الزيارة رمزية خاصة، باعتبارها أول زيارة دولة لسلطان عُماني إلى المملكة المتحدة منذ عام 1982، حين استقبلت الملكة إليزابيث الثانية السلطان الراحل قابوس بن سعيد.

غير أن القراءة الأعمق لهذا المشهد تبدأ من سؤال جوهري: ما الذي يجعل دولة بحجم سلطنة عُمان تحظى بهذا الاهتمام لدى قوة دولية بحجم المملكة المتحدة؟

تكمن الإجابة، إلى حد بعيد، في خصوصية المدرسة الدبلوماسية العُمانية، التي جعلت من الاتزان السياسي أصلاً استراتيجياً، ومن الحوار وسيلة ثابتة لإدارة الخلافات. فعُمان لم تسعَ إلى بناء حضورها الإقليمي عبر الاستقطاب أو الانخراط في صراعات المحاور، بل استثمرت في استقلالية قرارها السياسي وقدرتها على التواصل مع أطراف تتعذر أحياناً إقامة جسور مباشرة بينها.

وقد تجلت أهمية هذا النهج في الدور الذي اضطلعت به مسقط في تيسير الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران، وفي جهودها المرتبطة بخفض التوترات والحفاظ على أمن الملاحة في مضيق هرمز. ولم يكن إشادة الملك تشارلز الثالث، خلال المأدبة الرسمية، بالجهود العُمانية في الوساطة والحفاظ على انفتاح هذا الممر البحري الحيوي مجرد مجاملة دبلوماسية؛ بل عكست إدراكاً بريطانياً لأهمية الدور الذي تؤديه السلطنة في منطقة تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية العالمية.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية في عهد السلطان هيثم بن طارق، الذي حافظ على ثوابت السياسة الخارجية العُمانية، مع العمل على ربطها بأولويات اقتصادية وتنموية أكثر وضوحاً. فالسلطنة تدرك أن المصداقية الدبلوماسية لا تكتمل إلا بقدرة الدولة على تحويل علاقاتها السياسية إلى شراكات منتجة تدعم استقرارها الداخلي وتعزز موقعها الاقتصادي.

ومن هذه الزاوية، لم تقتصر زيارة لندن على بعدها الرمزي. فقد أفضت المباحثات إلى تحديد أولويات جديدة تشمل التعاون الدفاعي والأمن البحري والاستثمارات في الصناعات المتقدمة والخضراء والتعليم والتكنولوجيا. كما أعلنت الحكومة البريطانية عن استثمارات جديدة تتجاوز قيمتها مليار جنيه إسترليني في مرحلتها الأولى، بما يعكس توجهاً نحو توسيع المصالح الاقتصادية المتبادلة، وإن كان الحكم على أثرها الفعلي سيظل مرتبطاً بسرعة تنفيذ المشاريع ونتائجها الملموسة.

وتكشف الزيارة أيضاً عن حقيقة مهمة في العلاقات الدولية المعاصرة: لم تعد المكانة الدبلوماسية تقاس حصراً بالثقل العسكري أو الحجم الاقتصادي، بل كذلك بمدى قدرة الدول على أداء وظائف سياسية يصعب الاستغناء عنها. وفي هذا المجال، تمتلك عُمان رصيداً متراكماً من الثقة، وإن كانت دبلوماسية الوساطة، مهما بلغت فاعليتها، تظل رهينة استعداد الأطراف المتنازعة لتقديم التنازلات والالتزام بالتفاهمات.

ولعل أبرز ما يميز التجربة العُمانية أنها لا تنظر إلى الحياد باعتباره انسحاباً من القضايا الدولية، وإنما مساحة للتحرك المسؤول، ولا تعتبر الحوار نقيضاً للحزم، بل أداة لحماية المصالح وتجنب كلفة المواجهات.

وبين فخامة الاستقبال في ويندسور وعمق الملفات المطروحة على طاولة المباحثات، برزت سلطنة عُمان نموذجاً لدولة تسعى إلى تحويل الجغرافيا الحساسة إلى قيمة دبلوماسية، والعلاقات التاريخية إلى شراكات مستقبلية، والثقة الدولية إلى قدرة على التأثير.

إن الرسالة الأعمق لهذه الزيارة لا تكمن في الحفاوة التي استُقبل بها سلطان عُمان، بل في الأسباب التي تجعل من مسقط عاصمة يُصغى إلى صوتها حين تتعثر لغة الحوار. ففي عالم يعلو فيه ضجيج القوة، تواصل عُمان اختبار قدرة الدبلوماسية الهادئة على صناعة التأثير دون ضجيج.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق