Non classé
حين تُصغي العدسة إلى روح المغرب… الثقافة جسرٌ متين في مسار الصداقة المغربية الإيطالية

ليست كل صورة مجرد لحظة مجمدة في الزمن، كما ليست كل عدسة أداة لتوثيق المشهد. فهناك صور تنجح في التقاط ما تعجز الكلمات عن قوله، وتحمل بين تفاصيلها حكايات الشعوب وذاكرة الأمكنة ونبض الحضارات. ومن هذا المنطلق، يكتسب معرض «المغرب… أطلس وجداني» للمصور الإيطالي نيكولا فيورافانتي دلالته الخاصة، إذ لا يقدم للمشاهد سلسلة من الصور الجميلة فحسب، بل يدعوه إلى رحلة إنسانية عميقة داخل روح المغرب، كما رآها فنان اختار أن يعيش هذا البلد، لا أن يزوره فقط.
ويأتي احتضان إقامة سفير الجمهورية الإيطالية بالرباط لهذا المعرض ليؤكد مرة أخرى أن الدبلوماسية الحديثة لم تعد تُقاس فقط بحجم الاتفاقيات الاقتصادية أو مستوى التنسيق السياسي، بل أصبحت الثقافة إحدى أكثر أدواتها تأثيراً واستدامة، لأنها تخاطب الإنسان قبل المؤسسات، وتؤسس لثقة متبادلة تتجاوز الظرفية السياسية لتلامس عمق العلاقات بين الشعوب.
لقد راكم المغرب وإيطاليا، على امتداد عقود، تجربة ثرية في مجال التعاون الثقافي، جعلت من هذا البعد أحد الأعمدة الراسخة في علاقاتهما الثنائية. فمن الجامعات ومراكز البحث، إلى معاهد الثقافة، مروراً بالتراث، والسينما، والموسيقى، والفنون التشكيلية، والصناعة التقليدية، والأدب، ظل الحوار الثقافي فضاءً رحباً للتقارب، وعنواناً لإرادة مشتركة في بناء معرفة متبادلة تقوم على الاحترام والانفتاح.
غير أن ما يمنح هذه العلاقة خصوصيتها الحقيقية هو أنها لا تُبنى فقط داخل قاعات الاجتماعات أو عبر البرامج الرسمية، وإنما يصنعها أيضاً رجال ونساء اختاروا أن يكونوا جسوراً حية بين الضفتين، يحملون في تجاربهم الشخصية أسمى معاني التقارب الحضاري.
ويبرز نيكولا فيورافانتي نموذجاً معبراً عن هذا التلاقي الإنساني. فهو لا ينظر إلى المغرب بعين السائح الباحث عن غرابة المشهد، ولا بعين المصور المنشغل بجماليات الصورة وحدها، بل بعين إنسان ارتبط بهذا البلد وجدانياً وعائلياً، بعدما أصبح المغرب جزءاً من تفاصيل حياته اليومية من خلال زواجه من مغربية. ومن هنا اكتسبت أعماله صدقها الفني والإنساني، فغدت عدسته تلتقط الجوهر قبل المظهر، والهوية قبل المشهد، والإنسان قبل المكان.
إن «الأطلس الوجداني» الذي يقدمه ليس أطلساً للجبال أو المدن أو المسالك، بل هو خريطة للمشاعر، ترسمها ألوان المغرب، ودفء ناسه، وتنوع روافده الحضارية، وغنى تراثه، وسكينة فضاءاته، في حوار بصري راقٍ بين ثقافتين تنتميان إلى الفضاء المتوسطي، وتلتقيان في تقدير الجمال، والارتباط بالأسرة، والاعتزاز بالتاريخ، واحترام الحرف التقليدية، والإيمان بأن تفاصيل الحياة اليومية تحمل في طياتها أعظم أشكال الإبداع.
وتنسجم هذه الرؤية مع النهج الذي يطبع عمل سفير الجمهورية الإيطالية بالمغرب، والذي استطاع، منذ توليه مهامه، أن يرسخ حضوراً لافتاً في المشهد الثقافي والدبلوماسي. فقد اختار أن يجعل من التواصل المباشر، والانفتاح على مختلف الفاعلين، والاقتراب من المجتمع المغربي، أسلوباً في ممارسة العمل الدبلوماسي، وهو ما أكسبه تقديراً واسعاً داخل الأوساط الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية.
إن ما يميز هذا النهج ليس فقط كثافة الأنشطة التي تشرف عليها السفارة، وإنما الفلسفة التي تقف وراءها؛ فلسفة تؤمن بأن الثقافة ليست نشاطاً موازياً للدبلوماسية، بل هي أحد أهم تجلياتها وأكثرها قدرة على بناء جسور دائمة بين الأمم.
وفي هذا السياق، يصبح تنظيم معرض من قبيل «المغرب… أطلس وجداني» أكثر من حدث فني؛ إنه رسالة حضارية تؤكد أن العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط بالمفاوضات والاتفاقيات، وإنما أيضاً بنظرة احترام، وصورة صادقة، ولحظة تأمل، وحوار صامت بين الثقافات.
وتأتي هذه المبادرات في مرحلة تشهد فيها العلاقات المغربية الإيطالية دينامية متجددة، سواء على المستوى الاقتصادي، أو في مجالات الطاقة، والاستثمار، والتعليم العالي، والهجرة، والتعاون المتوسطي. غير أن الثقافة تظل، رغم كل هذه الأوراش، العنصر الأكثر قدرة على إضفاء البعد الإنساني على هذه الشراكة، لأنها تصنع الثقة، وتبدد الصور النمطية، وتفتح آفاقاً جديدة للتفاهم بين الشعوب.
ولعل أجمل ما يقدمه هذا المعرض أنه يذكرنا بأن الصورة قد تكون أحياناً أكثر بلاغة من الخطابات، وأن الفن قادر على أداء ما تعجز عنه السياسة، حين يمنح الإنسان فرصة لاكتشاف الآخر بعيداً عن الأحكام المسبقة، وفي إطار من الفضول النبيل والاحترام المتبادل.
وهكذا، لا تبدو أعمال نيكولا فيورافانتي مجرد احتفاء بالمغرب، بل شهادة صادقة على عمق الصداقة المغربية الإيطالية، ورسالة مفادها أن الثقافة تظل اللغة الأكثر رقياً في الحوار بين الأمم، والجسر الأمتن لبناء مستقبل مشترك قوامه المعرفة، والثقة، والإعجاب المتبادل.



