Non classé
المغرب وإيرلندا… شراكة تثق بها السياسة… فهل يترجمها الاقتصاد إلى قصة نجاح جديدة؟

لطالما شكلت العلاقات بين المملكة المغربية وإيرلندا نموذجاً هادئاً للدبلوماسية القائمة على الاحترام المتبادل والثقة والحوار البناء. فعلى امتداد سنوات طويلة، نجح البلدان في بناء علاقة سياسية متينة، بعيدة عن التوترات والخلافات، قوامها التفاهم والتقدير المتبادل. غير أن هذه الثقة السياسية، على أهميتها، لم تبلغ بعد مستوى الشراكة الاقتصادية والعلمية والثقافية التي تستحقها الإمكانات الكبيرة التي يتوفر عليها الطرفان.
واليوم، ومع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تبدو الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى لإعادة صياغة هذه العلاقة وفق رؤية جديدة تجعل منها نموذجاً أوروبياً إفريقياً واعداً. فالمغرب لم يعد مجرد شريك تقليدي للاتحاد الأوروبي، بل أصبح قوة إقليمية صاعدة، ومنصة استراتيجية للاستثمار والإنتاج، وجسراً طبيعياً بين أوروبا وإفريقيا، كما رسخ مكانته باعتباره فاعلاً أساسياً في الفضاء الأطلسي الجديد بفضل استقراره وإصلاحاته الكبرى ورؤيته التنموية.
وفي المقابل، استطاعت إيرلندا أن تتحول خلال العقود الأخيرة إلى واحدة من أكثر الاقتصادات الأوروبية دينامية وابتكاراً، مستندة إلى نموذج تنموي يقوم على المعرفة والتكنولوجيا والبحث العلمي. وأصبحت اليوم مرجعاً عالمياً في مجالات الذكاء الاصطناعي، والصناعات الدوائية، وعلوم الحياة، والتكنولوجيا الرقمية، والابتكار، وهي قطاعات تتقاطع بصورة واضحة مع الأوراش الكبرى التي يقودها المغرب في إطار نموذجه التنموي الجديد.
ومنذ وصولها إلى الرباط، تعمل سفيرة إيرلندا على إضفاء دينامية جديدة على العلاقات الثنائية، من خلال أسلوب يجمع بين المهنية الرفيعة والقرب الإنساني والانفتاح على مختلف الفاعلين. فقد اختارت أن تجعل من الحوار المباشر وبناء جسور التواصل بين المؤسسات والجامعات والمقاولات والمجتمع المدني أداة لتعزيز التقارب بين البلدين، وهو توجه يعكس قناعة راسخة بأن العلاقات الدبلوماسية الحديثة لا تقتصر على العمل السياسي، بل تقوم أيضاً على بناء الثقة بين الشعوب وصناعة فرص التعاون.
وتحكي السفيرة، بابتسامة صادقة، عن مصادفة تركت في نفسها أثراً خاصاً، حين صادف تقديم أوراق اعتمادها إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوم عيد ميلادها. لحظة استثنائية منحت بداية مهمتها في المغرب طابعاً رمزياً مميزاً، ورسخت لديها شعوراً بالتفاؤل، وزادت من حماسها للعمل من أجل الارتقاء بالعلاقات المغربية الإيرلندية إلى آفاق أوسع وأكثر طموحاً.
ولا شك أن الإرادة السياسية متوفرة لدى البلدين، غير أن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من جودة العلاقات إلى جودة المشاريع المشتركة. فحجم المبادلات التجارية ما يزال متواضعاً مقارنة بالإمكانات الحقيقية للاقتصادين، كما أن الاستثمارات الإيرلندية بالمغرب لا تعكس بعد المزايا التنافسية التي يوفرها المغرب، سواء من حيث البنيات التحتية الحديثة، أو الاستقرار، أو موقعه كبوابة نحو الأسواق الإفريقية. وفي الاتجاه المعاكس، لا تزال المقاولات المغربية حاضرة بشكل محدود داخل السوق الإيرلندية، رغم ما يتيحه الاقتصاد الإيرلندي من فرص للنمو والانفتاح على السوق الأوروبية.
ويبرز التعاون الأكاديمي والعلمي باعتباره أحد أكثر المجالات قدرة على إحداث نقلة نوعية في العلاقات الثنائية. فالتجربة الإيرلندية في البحث العلمي والابتكار والتعليم العالي يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لمواصلة جهود المغرب في تطوير اقتصاد المعرفة، وتسريع التحول الرقمي، وإعداد كفاءات قادرة على مواكبة تحديات المستقبل.
كما أن التحديات العالمية التي تواجه البلدين تفتح آفاقاً رحبة لتعاون أكثر عمقاً، سواء في مجالات الانتقال الطاقي، والأمن الغذائي، والاقتصاد الأزرق، والذكاء الاصطناعي، والابتكار الزراعي، أو التنمية المستدامة. وهي ملفات لا تحتاج إلى تقارب سياسي فحسب، بل إلى مشاريع مشتركة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
ورغم هذه المؤهلات، ما تزال بعض العراقيل تحد من سرعة تطور العلاقات، وفي مقدمتها محدودية التعريف المتبادل بفرص الاستثمار، وضعف حضور الفاعلين الاقتصاديين، وقلة الشراكات الجامعية، وغياب آليات مؤسساتية دائمة لمواكبة التعاون الاقتصادي. وهي عراقيل لا تعكس غياب الإرادة السياسية، بقدر ما تكشف الحاجة إلى مزيد من التواصل والانفتاح والتنسيق بين مختلف الفاعلين.
وربما آن الأوان للتفكير في إطلاق مجلس اقتصادي مغربي–إيرلندي، وتنظيم منتديات أعمال دورية، وتشجيع الشراكات بين الجامعات ومراكز البحث، ودعم المقاولات الناشئة، وإطلاق مشاريع مشتركة داخل القارة الإفريقية في إطار تعاون ثلاثي يستفيد من الحضور الإفريقي للمغرب والخبرة التكنولوجية الإيرلندية.
إن العلاقات المغربية الإيرلندية لم تعد في حاجة إلى إثبات متانتها السياسية، فهي حقيقة راسخة. أما الرهان الحقيقي اليوم، فيكمن في تحويل هذه الثقة إلى شراكة استراتيجية متكاملة، تجعل من التعاون الاقتصادي والعلمي والإنساني امتداداً طبيعياً للتفاهم السياسي القائم بين البلدين.
فالعلاقات الدولية الكبرى لا تصنعها المجاملات الدبلوماسية وحدها، بل تبنيها الرؤى المشتركة، والاستثمارات المتبادلة، والمبادرات المبتكرة، والإيمان بأن المستقبل يُصنع عندما تلتقي الإرادة السياسية مع الجرأة الاقتصادية والطموح الإنساني. ولعل المغرب وإيرلندا يمتلكان اليوم كل المقومات لكتابة فصل جديد من التعاون، يكون أكثر ثراءً وتأثيراً وإلهاماً للأجيال القادمة.



