ملفات دبلوماسية
من ذاكرة العبور إلى مسؤولية السلام… المغرب ومصر وامتداد التضامن عبر الأجيال
الذكرى الثالثة والخمسون لحرب أكتوبر تستحضر صفحة من التاريخ المشترك وتفتح آفاقاً للتعاون المغربي المصري

تحمل الذكرى الثالثة والخمسون لحرب السادس من أكتوبر 1973 أبعاداً تتجاوز حدود الاستحضار التاريخي لحدث عسكري شكّل محطة بارزة في الذاكرة الوطنية المصرية، لتعيد إلى الواجهة مرحلة من التاريخ العربي الحديث تداخلت فيها رهانات استرجاع الأرض مع معاني التضامن بين الدول والشعوب. وهي مناسبة تتيح قراءة هادئة في تحولات المنطقة، وفي القيمة التي تكتسبها التجارب التاريخية عندما تتحول من رصيد رمزي إلى حافز للعمل المشترك وبناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.
وفي هذا السياق، تكتسي مشاركة المملكة المغربية في حرب أكتوبر دلالة خاصة، باعتبارها تعبيراً عن تضامن تاريخي تجاوز الاعتبارات الجغرافية، وجسّد انخراط المغرب، بقيادة جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، في واحدة من المحطات المفصلية التي عرفتها المنطقة خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
ولم تكن تلك المشاركة مجرد حضور عسكري في ظرف استثنائي، بل عكست طبيعة الروابط التي جمعت المملكة المغربية بأشقائها العرب، وأبرزت ما يمكن أن يترتب عن الشعور بالمصير المشترك من مواقف عملية في اللحظات التاريخية الحاسمة.
وفي كلمته بمناسبة إحياء الذكرى الثالثة والخمسين لحرب أكتوبر، استحضر أحمد نهاد عبد اللطيف، سفير جمهورية مصر العربية لدى المملكة المغربية، هذه الصفحة المضيئة من التاريخ المشترك، منوهاً بالمشاركة المغربية في تلك المحطة التاريخية، وموجهاً تحية وفاء وإجلال إلى شهداء المملكة الذين قدموا أرواحهم تجسيداً لقيم التضامن العربي. ويكتسب هذا الاستحضار دلالة إنسانية ودبلوماسية خاصة، إذ يعكس عمق الروابط التي تجمع البلدين، ويؤكد أن الوفاء للتاريخ لا يقتصر على استعادة أحداثه، بل يمتد إلى صون ذاكرة الرجال الذين أسهموا في صنعه.
غير أن القيمة السياسية لهذه الذكرى لا تقف عند حدود الماضي. فحرب أكتوبر، بما مثلته لمصر من تحول في مسارها العسكري والسياسي، تطرح اليوم تساؤلاً أوسع بشأن قدرة المنطقة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء شروط الاستقرار الدائم، ومن استحضار لحظات المواجهة إلى ترسيخ منطق الحلول السياسية والدبلوماسية.
ومن هذا المنظور، يلتقي البعد التاريخي للمناسبة مع توجه راسخ في السياسة الخارجية للمملكة المغربية، يقوم على تغليب الحوار، واحترام الوحدة الترابية للدول، والاحتكام إلى الشرعية الدولية، والبحث عن تسويات عادلة ومستدامة للنزاعات.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط، التي لا تزال تواجه تحديات عميقة تتصل بالأمن والاستقرار وحقوق الشعوب. فالمملكة المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، تواصل التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، وعلى ضرورة التوصل إلى حل عادل ودائم يضمن للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة في إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، في إطار حل الدولتين ووفق قرارات الشرعية الدولية.
ولا يتعارض هذا الالتزام بالحقوق التاريخية والمشروعة للشعوب مع الدعوة إلى السلام، بل يمنحه أساسه السياسي والأخلاقي، باعتبار أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم بمعزل عن العدالة واحترام القانون الدولي.
وفي هذا الإطار، تبرز العلاقات المغربية المصرية باعتبارها امتداداً لمسار تاريخي غني بالتفاعلات السياسية والإنسانية، تتقاطع فيه الذاكرة المشتركة مع المصالح المتبادلة والتحديات الإقليمية الراهنة.
وفي قراءته لآفاق العلاقات الثنائية، أبرز السفير أحمد نهاد عبد اللطيف أهمية التعاون القائم بين القوات المسلحة المصرية والقوات المسلحة الملكية المغربية، وما يتيحه من فرص لتبادل الخبرات وتعزيز الثقة والتفاهم بين المؤسستين العسكريتين. وتحمل هذه الإشارات بعداً يتجاوز الطابع البروتوكولي للاحتفال، إذ تضع التعاون المغربي المصري ضمن مسار من التواصل المؤسسي الذي يستمد قوته من رصيد تاريخي مشترك، ويتطلع إلى آفاق أكثر اتساعاً.
وتسمح هذه الإشارات بقراءة العلاقات الثنائية من زاوية تتجاوز الطابع الاحتفالي للمناسبة. فالتعاون بين المغرب ومصر، بالنظر إلى موقعهما الجغرافي وثقلهما الإقليمي وامتداداتهما العربية والإفريقية والمتوسطية، يمتلك إمكانات تستحق مزيداً من التفعيل، سواء على مستوى التنسيق السياسي أو تبادل الخبرات أو توسيع الشراكات الاقتصادية والثقافية.
كما أن التحديات التي تواجه المنطقة تفرض الانتقال بالعلاقات العربية من منطق التضامن المرتبط بالظروف الاستثنائية إلى تعاون مؤسساتي مستدام، قادر على إنتاج نتائج ملموسة والاستجابة لتطلعات الشعوب في التنمية والاستقرار.
ومن هنا، فإن أفضل ما يمكن أن تمنحه الذاكرة التاريخية للعلاقات المغربية المصرية ليس الاكتفاء باستحضار صفحاتها المضيئة، وإنما استثمار رصيدها المعنوي في تعزيز الثقة وتوسيع مجالات العمل المشترك، بعيداً عن المبالغة الخطابية أو اختزال العلاقات بين الدول في مناسبات بروتوكولية عابرة.
لقد شكلت حرب أكتوبر بالنسبة إلى مصر محطة مفصلية في مسارها الوطني، كما احتفظت الذاكرة المغربية بمكانة خاصة للتضحيات التي قدمها أبناؤها في إطار التضامن العربي. واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، تبدو الحاجة ملحة إلى استلهام ما تحمله تلك المرحلة من معاني الالتزام والمسؤولية، مع إدراك أن تحديات الحاضر تتطلب أدوات مختلفة، تتقدمها الحكمة السياسية وفعالية الدبلوماسية والقدرة على بناء التوافقات.
وبذلك، تكتسب الذكرى الثالثة والخمسون لحرب أكتوبر معناها الأعمق: وفاء لتاريخ لا ينبغي أن يُنسى، وتقدير لتضحيات تستحق الاحترام، واستحضار لمسؤولية مشتركة في حماية الاستقرار وصناعة السلام.
فالتاريخ يحتفظ بقيمة التضحيات، أما المستقبل فيُقاس بقدرة الدول على تحويل دروسه إلى شراكات منتجة، ومواقف مسؤولة، وآفاق أكثر أمناً وازدهاراً لشعوب المنطقة.



