الدبلوماسية الثقافية

الثقافة الصوفية في مواجهة حضارة الاستهلاك والسرعة واستعادة المعنى الإنساني للحياة

في عصر باتت فيه السرعة تتحكم في إيقاع الحياة، وأصبح النجاح يُقاس في كثير من الأحيان بما يراكمه الإنسان من ممتلكات ومكاسب مادية، فيما تتولى الشاشات والمنصات الرقمية تشكيل الأذواق والتصورات، يفتح المهرجان الدولي للثقافة الصوفية وحكم العالم بفاس باباً للتأمل في سؤال يتجاوز حدود التظاهرة الثقافية ذاتها، ويتصل بمكانة القيم الروحية والعمق الإنساني في مجتمعات تتسابق نحو امتلاك الأشياء، دون أن تمنح الإنسان دائماً ما يكفي من الوقت لفهم ذاته وإدراك معنى وجوده.

يأتي افتتاح الدورة الثامنة عشرة من المهرجان، المنظمة تحت شعار الشعر الصوفي إكسير شفاء، في سياق حضاري تتجلى فيه إحدى أبرز مفارقات العصر الحديث فالإنسانية لم تعرف في تاريخها وفرة مماثلة في وسائل التواصل واكتساب المعرفة وتبادل المعلومات، غير أن هذا التقدم الهائل لم يواكبه بالضرورة تطور مماثل في جودة العلاقات الإنسانية أو في قدرة الأفراد على فهم أنفسهم والإنصات إلى الآخرين.

لقد أعادت ثقافة الاستهلاك ومنطق الأداء والسعي المتواصل إلى الظهور تشكيل كثير من المعايير التي تحدد قيمة الفرد داخل المجتمع، حتى أصبح الإنسان يُقيَّم أحياناً بما يمتلكه أو ينتجه أو يعرضه أمام الآخرين، أكثر مما يُقدَّر بما يحمله من فكر وقيم ووعي وفي خضم هذا التحول، تبرز الثقافة الصوفية باعتبارها أحد الروافد الفكرية والروحية التي تدعو إلى إعادة الاعتبار للإنسان في جوهره، وإلى تغليب المعرفة الباطنية والاعتدال والجمال والإنصات على المظاهر الخارجية ومغريات الامتلاك.

ومن الخطأ اختزال مثل هذه الملتقيات في مجرد فضاءات للتأمل الروحي أو اعتبارها تعبيراً عن حنين إلى تقاليد الماضي فقيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على مساءلة اختلالات الحاضر، وفتح نقاش فكري وأخلاقي حول اتجاهات المجتمعات المعاصرة، دون الوقوع في موقف رافض للتقدم أو مناهض لمنجزات الحداثة.

فالتحدي لا يتمثل في إقامة تعارض بين الروحانية والحداثة، وإنما في الحيلولة دون تحول التقدم المادي والتقني إلى مسار يفقد الإنسان توازنه الداخلي ويجرده من أبعاده الثقافية والأخلاقية.

وتكتسب مدينة فاس، في هذا السياق، رمزية خاصة تستمد مشروعيتها من تاريخها العريق باعتبارها مركزاً للمعرفة والإشعاع الروحي والتفاعل الفكري فقد احتضنت المدينة عبر قرون تصوراً للثقافة لا ينحصر في تحصيل المعارف والمهارات، بل يمتد إلى تهذيب السلوك وبناء الشخصية وصقل الوعي ووجدت التقاليد الصوفية، بتعدد مدارسها وتعبيراتها، في هذا الفضاء الحضاري أرضاً خصبة للتفاعل مع الشعر والموسيقى والفلسفة، ومع أشكال التلقين والتوارث الثقافي بين الأجيال.

غير أن الاعتزاز بهذا الرصيد التاريخي لا يعفي من طرح سؤال أكثر إلحاحاً يتعلق بكيفية إخراج الثقافة الصوفية من دائرة جمهورها التقليدي، لتصبح جزءاً من الاهتمامات الثقافية والفكرية لفئات أوسع من المجتمع، وفي مقدمتها الأجيال الجديدة.

إن الرهان الأكبر الذي تواجهه مثل هذه التظاهرات اليوم لا يتعلق فقط بالمحافظة على الذاكرة الروحية أو ضمان استمرارية حضورها في المشهد الثقافي، وإنما يرتبط أساساً بالقدرة على تجديد علاقتها بالشباب.

فالأجيال الصاعدة تعيش داخل منظومة ثقافية تختلف جذرياً عن تلك التي نشأت فيها الأجيال السابقة وقد تغيرت علاقتها بالزمن والمعرفة والاكتشاف والتلقي، وأصبحت الوسائط الرقمية والصورة والتجارب التفاعلية من أبرز القنوات التي تتشكل عبرها اهتماماتها ولا يمكن تجاهل هذا التحول دون المخاطرة ببقاء جانب مهم من التراث اللامادي محصوراً في فضاءات ضيقة، مهما بلغت قيمة ما تقدمه من مضامين.

ولذلك، لم يعد كافياً تنظيم محاضرات رفيعة المستوى أو أمسيات موسيقية متميزة أو استضافة شخصيات فكرية مرموقة، على أهمية هذه المبادرات جميعها فالمطلوب اليوم هو ابتكار جسور حقيقية تتيح للشباب اكتشاف هذا التراث، والتفاعل معه، وإدراك ما يمكن أن يقدمه لهم من إجابات وتأملات بشأن أسئلتهم الوجودية والاجتماعية والثقافية.

ويمكن للشعر الصوفي، بما يختزنه من صور جمالية وطاقات تعبيرية وأبعاد إنسانية، أن يشكل مدخلاً واعداً لهذا الانفتاح، من خلال ورشات إبداعية تجمع الشعراء والموسيقيين والفنانين الرقميين والطلبة، وتمنح النصوص التراثية امتدادات فنية معاصرة دون المساس بعمقها أو خصوصيتها.

كما أن انخراط المؤسسات التعليمية والجامعية ينبغي أن يتجاوز حدود الحضور الرمزي أو تنظيم الزيارات الجماعية، ليتحول إلى شراكة فعلية في إعداد البرامج وتنشيط اللقاءات والمساهمة في إنتاج مضامين ثقافية مستوحاة من هذه التجربة.

وفي هذا الإطار، يمكن أن تفتح اللقاءات التفاعلية حول أعلام الفكر الصوفي، والإبداعات الموسيقية المستلهمة من التراث الروحي، والإنتاجات السمعية البصرية الموجهة إلى الأجيال الجديدة، فضلاً عن الإقامات الفنية المشتركة بين المبدعين من مختلف الأعمار، آفاقاً جديدة لإحياء هذا الموروث وإعادة إدماجه في الحياة الثقافية المعاصرة.

ولا يتعلق الأمر بتبسيط الفكر الصوفي إلى حد إفراغه من مضامينه العميقة، أو إخضاعه لمنطق الاستهلاك الثقافي السريع، بل بإيجاد صيغ مبتكرة تجعل الاقتراب منه أكثر يسراً، وتحفز الفضول المعرفي، وتفتح الطريق أمام فهم متدرج وأكثر عمقاً لقيمه وأبعاده الفكرية والجمالية.

فانتقال المعرفة بين الأجيال لا يتحقق بمجرد تكرار الخطابات نفسها أمام الجمهور ذاته، وإنما يتطلب تجديد وسائل التعبير والتواصل، مع الحفاظ على الأصول الفكرية والقيمية التي تمنح هذا التراث هويته واستمراريته.

وتبرز هنا أيضاً أهمية توسيع مشاركة النساء والشباب المبدعين وفعاليات المجتمع المدني في التعريف بالثقافة الروحية ونشرها فتنوع الفاعلين لا يساهم فقط في استقطاب شرائح جديدة من الجمهور، وإنما يسمح كذلك بتعدد زوايا المقاربة، ويمنح هذه التظاهرات قدرة أكبر على الاندماج في الحياة الثقافية اليومية، بعيداً عن الطابع المناسباتي المحدود.

ويمتلك مهرجان فاس، في هذا المجال، رصيداً مهماً يتمثل في اللغة الكونية للفنون التي يحتضنها فالموسيقى والشعر ومختلف التعبيرات الجمالية قادرة على تجاوز الحواجز اللغوية والاختلافات الثقافية، وفتح منافذ للتواصل مع عوالم فكرية وروحية قد تبدو بعيدة عن الاهتمامات المباشرة للشباب.

غير أن استثمار هذه الإمكانات يقتضي تجاوز الإطار الزمني الضيق للمهرجان، والتفكير في استمرارية أثره طوال السنة ويمكن أن تشكل البرامج التربوية والشراكات الدائمة مع الجامعات، واللقاءات الثقافية المنظمة خارج المراكز التقليدية، وفضاءات الحوار المفتوحة أمام مختلف الفئات، أدوات لتحويل التظاهرة من حدث سنوي إلى مشروع متواصل لنقل المعرفة وتعزيز التفاعل الثقافي.

وهذا الطموح ينسجم مع مسؤولية أوسع يتحملها المغرب في صيانة رصيده الروحي والحضاري الغني، باعتباره إرثاً وطنياً ذا امتدادات إنسانية، وأمانة تتطلب المحافظة عليها ضمان قدرتها على التجدد والتفاعل مع متطلبات المستقبل.

فحماية التراث لا تعني الاكتفاء بصون أشكاله التاريخية أو الاحتفاء برموزه، وإنما تستدعي توفير الشروط التي تسمح له بمواصلة الإلهام وإثارة الأسئلة والمساهمة في تطوير الوعي الثقافي والاجتماعي.

وفي عالم تتصاعد فيه التوترات المرتبطة بالهوية، وتتعمق فيه الفوارق الاجتماعية، وتتسع فيه مساحات الخطابات الإقصائية والتحريض على رفض الآخر، تكتسب قيم التسامح والأخوة والكرامة الإنسانية التي تحملها تقاليد روحية عديدة أهمية متجددة.

ويمكن لهذه القيم أن تساهم في ترسيخ ثقافة الحوار والاعتراف بالاختلاف، شريطة تقديمها باعتبارها منابع حية للتفكير والنقاش، لا منظومات مغلقة تتعالى على التساؤل أو ترفض النقد

ومن المؤكد أن الروحانية، مهما بلغت قدرتها على التأثير في الوجدان، لا تستطيع وحدها معالجة التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعيشها المجتمعات المعاصرة غير أنها تظل قادرة على التذكير بحقيقة جوهرية مفادها أن الوفرة المادية ليست شرطاً كافياً لبناء مجتمع متوازن، وأن التقدم الذي يفقد معناه الإنساني قد يفضي إلى أجيال شديدة الاتصال بالعالم الخارجي، لكنها تعاني في المقابل من هشاشة الصلة بذاتها وبمحيطها الإنساني.

ومن هذا المنظور، تتيح الدورة الثامنة عشرة من مهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم فرصة لإعادة النظر ليس فقط في علاقتنا بالموروث الروحي، وإنما أيضاً في التصور الذي نحمله لمستقبل الثقافة، وفي طبيعة الأدوار التي ينبغي أن تؤديها في مجتمع سريع التحول.

فالنجاح الحقيقي لمثل هذا الموعد لا ينبغي أن يُقاس حصرياً بمكانة الشخصيات المشاركة، أو جودة العروض الفنية، أو حجم الإشعاع الدولي الذي يحققه فهذه مؤشرات مهمة، لكنها لا تختزل القيمة الحضارية الأعمق للتظاهرة.

ذلك أن الأثر الأكثر استدامة يتمثل في قدرتها على إيقاظ الفضول لدى الأجيال الجديدة، واستثارة مواهب إبداعية وفكرية ناشئة، وإيصال القيم التي تدافع عنها إلى فضاءات لم تتمكن بعد من بلوغها بالقدر الكافي.

ولعل مستقبل الثقافة الصوفية لا يرتبط فقط بوفاء جمهورها المعتاد أو بحرص المهتمين بها على مواصلة تقاليدها، وإنما يتحدد كذلك بمدى قدرتها على إثارة اهتمام من لم يسبق لهم الاقتراب من عوالمها، وإقناعهم بأن في هذا الموروث ما يستحق الاكتشاف والتأمل.

وإذا كان الشعر الصوفي قد اتخذ من إكسير الشفاء عنواناً لهذه الدورة، فإن أعمق ما يمكن أن يمنحه للأجيال الجديدة قد لا يكون وعداً بالخلاص من أزمات العصر، بقدر ما هو دعوة إلى استعادة التوازن بين الخارج والداخل، وبين التقدم المادي والنضج الإنساني، وبين امتلاك وسائل العيش وإدراك الغاية من الحياة.

ففي حضارة تتسارع خطواتها نحو المزيد من الإنتاج والاستهلاك والظهور، تظل الحاجة قائمة إلى ثقافة تذكر الإنسان بأن قيمته لا تُختزل فيما يملك، وأن الغنى الأسمى قد يكمن في قدرته على فهم ذاته، وبناء علاقات إنسانية أكثر عمقاً، ومنح حضوره في هذا العالم معنى يتجاوز حدود المادة والمظاهر.

وهنا تحديداً تتجلى الرسالة الأبعد للثقافة الصوفية في أن تظل جسراً بين ذاكرة الحكمة وأسئلة المستقبل، وأن تساهم في بناء إنسان لا يكتفي بمواكبة حركة العالم، بل يمتلك أيضاً الوعي الذي يمنحه القدرة على اختيار وجهته فيه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق