دبلوماسية اقتصادية
الناظور غرب المتوسط وطنجة المتوسط: المغرب يعيد رسم خريطة القوى البحرية ويؤسس لجغرافيا جديدة للتنافسية العالمية

لم تعد القوة الاقتصادية للدول تُقاس بحجم ما تنتجه فحسب، بل أصبحت تتحدد أيضاً بقدرتها على ربط الأسواق، وتنظيم المبادلات التجارية، وترسيخ حضورها في سلاسل القيمة الدولية. وفي مرحلة تشهد إعادة تشكيل المسارات التجارية العالمية، وتصاعد التنافس الجيواقتصادي، وتحول التحكم في البنيات التحتية الاستراتيجية إلى أحد أبرز مقومات النفوذ الاقتصادي، يمضي المغرب نحو تكريس طموح يتجاوز تحديث منشآته المينائية، ليصبح فاعلاً مؤثراً في صياغة الجغرافيا البحرية العالمية الجديدة.
وفي هذا السياق، يكتسي اجتماع العمل الذي ترأسه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم 28 أكتوبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط، والمخصص لتتبع تقدم مشروع الناظور غرب المتوسط وإطلاق مشروع طنجة المتوسط 3، أهمية استراتيجية بالغة. فالاجتماع لا يعكس مجرد تسريع وتيرة إنجاز استثمارين كبيرين، بل يؤكد تماسك رؤية ملكية تستند إلى الاستمرارية في الاختيارات الاستراتيجية، واستباق التحولات الاقتصادية الدولية، وتحويل الموقع الجغرافي للمملكة إلى رافعة حقيقية للقوة الصناعية والتجارية والطاقية.
ومن خلال إدراج تعزيز قدرات طنجة المتوسط واقتراب دخول الناظور غرب المتوسط مرحلة الاستغلال ضمن تصور استراتيجي متكامل، ينتقل المغرب إلى مستوى جديد في تطوير منظومته المينائية. فلم يعد الهدف امتلاك ميناء كبير يتمتع بقدرة تنافسية عالية، وإنما بناء شبكة مينائية مترابطة، قادرة على تحقيق التكامل بين الواجهات البحرية للمملكة، وتنويع الوظائف الاقتصادية للمجالات الترابية، وتعزيز موقع المغرب ضمن الخيارات الاستثمارية واللوجستية لكبرى الشركات العالمية.
لقد أحدثت تجربة طنجة المتوسط تحولاً عميقاً في نظرة الفاعلين الدوليين إلى الاقتصاد المغربي. فبعدما ظل المغرب يُنظر إليه، لفترة طويلة، باعتباره مجالاً للعبور بين أوروبا وإفريقيا، أصبح تدريجياً منصة اقتصادية تستقطب كبريات شركات النقل البحري، وتحتضن أنشطة صناعية موجهة للتصدير، وتوفر للمستثمرين مزيجاً من المقومات التي تزداد أهميتها في الاقتصاد الدولي، وفي مقدمتها القرب من الأسواق، وحداثة البنيات التحتية، والارتباط بالشبكات التجارية العالمية، وتوفر بيئة اقتصادية منظمة.
وتعكس المؤشرات المسجلة حجم هذا التحول. فقد عالج ميناء طنجة المتوسط، خلال سنة 2025، أكثر من 11,1 مليون حاوية من فئة عشرين قدماً، محققاً نمواً بنسبة 8,4 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، إلى جانب مناولة 161 مليون طن من البضائع. وهي نتائج تؤكد ريادته على المستويين المتوسطي والإفريقي، وتبرز قدرة الاستثمار المينائي، عندما يندرج ضمن سياسة صناعية منسجمة، على إحداث تغيير مستدام في المكانة الاقتصادية الدولية للدول.
غير أن القيمة الحقيقية لتجربة طنجة المتوسط لا تختزل في حجم الحاويات والبضائع التي يعالجها، بل تتجلى أساساً في نجاحه في تحويل منشأة بحرية إلى منظومة اقتصادية متكاملة. فقد أصبح الميناء حلقة وصل بين عمليات إعادة شحن الحاويات، والخدمات اللوجستية، والإنتاج الصناعي، والصادرات المغربية. وأسهم بذلك في ترسيخ صورة جديدة للمملكة، لا بوصفها وجهة للاستثمار فقط، وإنما باعتبارها شريكاً فاعلاً في تنظيم حركة المبادلات الدولية.
ومن هذا المنظور تحديداً، تتضح الأهمية الاستراتيجية لمشروع الناظور غرب المتوسط.
فالمركب المينائي الجديد، الواقع على الواجهة المتوسطية الشرقية للمملكة بخليج بطوية، ليس نسخة مكررة من طنجة المتوسط، ولا مشروعاً يراد له أن ينافسه داخل المنظومة الوطنية، بل يمثل امتداداً لنموذج اقتصادي أثبت نجاعته، مع تطوير وظائف جديدة ومتكاملة تفتح آفاقاً أوسع أمام التنمية المجالية.
وقد بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة التي جرى تعبئتها في المشروع 54 مليار درهم، موزعة بين بنيات مينائية كبرى ومنصات صناعية ولوجستية وطاقية. ومن المرتقب أن تصل الطاقة الاستيعابية للمحطة الأولى للحاويات، التي يقترب موعد دخولها مرحلة الاستغلال، إلى 3,5 ملايين حاوية، فيما ستضيف المحطة الثانية، المقرر تشغيلها في أبريل 2027، طاقة استيعابية تبلغ 1,8 مليون حاوية. ويمثل هذان المرفقان وحدهما استثمارات خاصة بقيمة 8 مليارات درهم.
وتعكس هذه الأرقام حجم الطموح المغربي، لكنها لا تكشف سوى جانب من الأهمية الاستراتيجية للمشروع.
فالناظور غرب المتوسط مرشح للاضطلاع بدور محوري في تنويع منظومة التزود بالطاقة وتعزيز الأمن الطاقي للمملكة. ويمنح إنشاء محطة مخصصة للمحروقات، مرتبطة بإمكانات تخزين قد تصل إلى أربعة ملايين متر مكعب، إلى جانب مشروع محطة للغاز الطبيعي المسال بطاقة معالجة محتملة تبلغ خمسة مليارات متر مكعب سنوياً، بعداً استراتيجياً للمركب يتجاوز الوظائف التقليدية للنقل البحري.
وفي سياق دولي يتسم بتقلب الأسواق الطاقية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد، تكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة. فالأمن الطاقي لم يعد مرتبطاً بتوفر الموارد وحده، بل أصبح يستند إلى تنويع مصادر التوريد، وتعزيز قدرات الاستقبال والتخزين، وضمان مرونة المنظومة اللوجستية، والتحكم في البنيات الضرورية لاستمرارية الإمدادات.
ومن شأن هذه المقومات أن تسهم في تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية للمغرب، وأن ترفع جاذبيته لدى المستثمرين الصناعيين الذين ترتبط تنافسيتهم ارتباطاً مباشراً بأمن الإمدادات الطاقية واستقرار تكلفتها وإمكانية التنبؤ بها.
ومع ذلك، فإن تحويل هذه الإمكانات إلى مكاسب اقتصادية فعلية سيظل رهيناً باستكمال التجهيزات، وتعبئة الاستثمارات الإضافية، وتحقيق التكامل بين الشبكات، وضمان الجدوى الاقتصادية للمشاريع المبرمجة. فالوظيفة الطاقية للميناء تشكل أفقاً استراتيجياً واعداً، غير أن تقييم نتائجها ينبغي أن يستند إلى القدرات التي ستدخل فعلياً حيز التشغيل.
وتستحق نظرة الشركاء الأجانب إلى هذه التحولات وقفة تحليلية خاصة.
ففي الاقتصاد البحري المعاصر، لا تتحدد مصداقية المشاريع الكبرى بجودة بنياتها التحتية وحدها، بل تتعزز أيضاً بمكانة الشركات الدولية التي تختار الاستثمار فيها. ومن هذا المنطلق، تمثل مشاركة مجموعات بحرية عالمية في مشروعي الناظور غرب المتوسط وطنجة المتوسط مؤشراً بالغ الدلالة.
فدخول شركة «تيرمينال إنفستمنت ليميتد»، التابعة لمجموعة «إم إس سي» العالمية، إلى رأسمال الشركة صاحبة امتياز المحطة الشرقية بالناظور غرب المتوسط، إلى جانب شركة مرسى المغرب، يعكس اهتمام أحد أبرز الفاعلين الدوليين بالإمكانات الاقتصادية للمركب. كما يؤكد انخراط شركة «سي إم إيه تيرمينالز»، التابعة للمجموعة الفرنسية «سي إم إيه سي جي إم»، في استغلال المحطة الغربية، الاتجاه نفسه، في إطار شراكة تتوزع فيها المساهمة بين مرسى المغرب بنسبة 51 في المائة والشريك الفرنسي بنسبة 49 في المائة.
وفي طنجة المتوسط، يعزز توقيع عقد امتياز مع مجموعة «ميرسك – إيه بي إم» لتطوير المحطة المستقبلية ضمن مشروع طنجة المتوسط 3، هذا الاعتراف الدولي بالمؤهلات المينائية للمغرب.
ولا يمكن اختزال هذه الالتزامات الاستثمارية في مجرد تعبير عن الثقة الدبلوماسية أو حسن العلاقات بين الدول. فهي قرارات اقتصادية تتخذها مجموعات عالمية تستند في اختياراتها إلى حسابات دقيقة تتعلق بالمردودية، والربط البحري، والتنافسية، والآفاق التجارية بعيدة المدى.
ويعني حضور هذه الشركات أن المغرب أصبح يحتل موقعاً ذا مصداقية ضمن استراتيجيات الاستثمار وإعادة انتشار شبكات النقل البحري العالمية. صحيح أن هذه الشراكات لا تضمن تلقائياً تحقيق أحجام محددة من المبادلات أو بلوغ مستويات معينة من الربحية، لكنها تؤكد أن الموانئ المغربية باتت عنصراً حاضراً في التخطيط الاستراتيجي لكبرى الشركات البحرية.
وهنا يكمن التحول الأعمق: فالمملكة لم تعد مجرد نقطة جغرافية تعبرها المسارات التجارية الدولية، بل أصبحت تشارك بصورة متزايدة في تنظيم هذه المسارات وتوجيه اختيارات الفاعلين المرتبطين بها.
ويجد هذا التحول صداه أيضاً في الأوساط الاقتصادية والأكاديمية الأوروبية، ولا سيما في إسبانيا، حيث يثير التوسع المينائي المغربي نقاشاً متجدداً حول مستقبل المنافسة البحرية في غرب البحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا الإطار، أبرز تحليل نشرته جامعة نافارا الإسبانية في مارس 2026 الأبعاد الاستراتيجية للتطور المتزامن لميناءي طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط، وانعكاساته المحتملة على الموانئ الإسبانية الكبرى. ويكشف هذا الاهتمام أن السياسة المينائية المغربية أصبحت جزءاً من النقاش الأوروبي المتعلق بإعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية واللوجستية في مضيق جبل طارق والحوض المتوسطي.
غير أن المنافسة مع موانئ الجزيرة الخضراء وفالنسيا وبرشلونة تقتضي قراءة متأنية تتجنب الاستنتاجات المتسرعة. فارتفاع الطاقة الاستيعابية للموانئ المغربية لا يعني بالضرورة انتقالاً مماثلاً في حجم الحركة التجارية من الموانئ الأوروبية. ذلك أن شركات الملاحة الكبرى تحدد شبكاتها وفق اعتبارات متعددة تشمل تكاليف التشغيل، وجودة الخدمات، وموثوقية المحطات، وفعالية الربط البري، وتوفر المناطق الصناعية، وتطور التدفقات التجارية.
وعليه، فإن المنافسة الحقيقية لا تنحصر في مواجهة بين موانئ متجاورة جغرافياً، بل تمتد إلى التنافس بين منظومات صناعية ولوجستية متكاملة، تقاس نجاعتها بقدرتها على تقديم حلول شاملة للمؤسسات الاقتصادية وشركات النقل.
وعلى هذا المستوى تحديداً، يسعى المغرب إلى توسيع مزاياه التنافسية.
ويجسد الإعلان عن إطلاق مشروع طنجة المتوسط 3 حجم هذا التوجه. فالمشروع يرتقب أن يوفر 1200 متر إضافية من الأرصفة، وطاقة استيعابية جديدة تبلغ 4,5 ملايين حاوية، باستثمار معلن قدره 8 مليارات درهم. ومن شأن هذا التوسع أن يواكب مسار النمو المستقبلي للمركب، مع إمكانية رفع طاقته الإجمالية إلى 20 مليون حاوية سنوياً.
ويتمثل الطموح المعلن في تمكين طنجة المتوسط من الالتحاق بنادي الموانئ العشرة الأولى عالمياً. غير أن هذا الهدف يظل مرتبطاً بالطاقة الاستيعابية المنتظرة وبآفاق تطور موقع الميناء، ولا يعبر عن ترتيب عالمي تحقق بالفعل. فبلوغ هذه المرتبة سيتوقف على النمو الحقيقي لحركة الملاحة، واختيارات شركات الشحن، ومستويات أداء الموانئ الدولية المنافسة.
وبعيداً عن الأرقام، يكشف هذا التوجه عن تغير نوعي في سقف الطموح المغربي. فالمملكة لم تعد تقيس أداء منشآتها المينائية وفق معايير إقليمية فحسب، بل أصبحت تسعى إلى تموقعها ضمن الفئة التي تتنافس فيها المنصات البحرية الكبرى على المستوى العالمي.
ويتزامن هذا التوسع مع مرحلة تعيد فيها الشركات الدولية تقييم مواقع إنتاجها ومسارات تموينها. فالبحث عن مزيد من المرونة في مواجهة الأزمات، وتنويع الشركاء التجاريين، وتقريب بعض الأنشطة الصناعية من أسواق الاستهلاك، كلها تحولات تفتح فرصاً أمام الدول القادرة على الجمع بين الاستقرار، والربط الدولي، والقدرات الإنتاجية.
ويمتلك المغرب في هذا السياق مجموعة من المؤهلات المهمة، من بينها قربه من الأسواق الأوروبية، وانفتاحه على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وشبكة اتفاقياته التجارية، وطموحه إلى تعزيز المبادلات الاقتصادية مع القارة الإفريقية. وهي عناصر تتيح له الاضطلاع بدور حلقة وصل اقتصادية بين فضاءات جغرافية وتجارية متكاملة.
غير أن الامتياز الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يشكل ضمانة كافية للتنافسية. فهذه الأخيرة تحتاج إلى شبكات فعالة للنقل السككي والطرقي، وطاقة بتكلفة تنافسية، وإدارة اقتصادية ناجعة، وموارد بشرية مؤهلة، ونسيج مقاولاتي وطني قادر على الاندماج في سلاسل القيمة الجديدة.
ومن هنا، تبرز أهمية الربط بين تطوير الناظور غرب المتوسط وإنجاز الخط السككي سلوان–الناظور غرب المتوسط، والطريق السيار جرسيف–الناظور غرب المتوسط، وتحديث الشبكة الطرقية المحيطة بالمشروع. فهذه البنيات ليست تجهيزات مرافقة ذات أهمية ثانوية، وإنما شروط أساسية لضمان الاندماج الفعلي للميناء في محيطه الاقتصادي الوطني.
ذلك أن قيمة الميناء لا تُقاس فقط بما يستطيع استقباله من البحر، بل أيضاً بما يمكن أن يولده من أنشطة وفرص داخل المجال الترابي الذي يحتضنه.
وتكتسي هذه المسألة أهمية استثنائية بالنسبة إلى جهة الشرق.
فأحد الرهانات الكبرى للناظور غرب المتوسط يتمثل في قدرته على الإسهام في إعادة التوازن التدريجي للخريطة الاقتصادية الوطنية. وإذا كانت التجربة المينائية بمدينة طنجة قد أثبتت قدرتها على استقطاب الاستثمارات وتحفيز التنمية، فإن الرهان المطروح اليوم يتمثل في إرساء قطب اقتصادي جديد على الواجهة المتوسطية الشرقية، قادر على جذب الصناعات، وتطوير الأنشطة اللوجستية، وإطلاق دينامية تنموية مستدامة.
وتحتضن المنطقة الصناعية المرتبطة بالمركب حالياً وحدة إنتاجية دخلت مرحلة النشاط، فيما توجد ثلاث وحدات أخرى قيد البناء. وتشير التوقعات الرسمية على المدى القريب إلى إمكانية إحداث 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألف منصب غير مباشر.
ورغم الأهمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه التقديرات، فإن أثرها الفعلي سيظل مرهوناً بإنجاز الاستثمارات المعلنة، وطبيعة فرص العمل المستحدثة، ومدى استفادة الساكنة المحلية منها.
فالرهان يتجاوز ارتفاع المؤشرات الاقتصادية إلى إمكانية إحداث تحول عميق ومستدام في المسارات الاجتماعية للمنطقة، وتوسيع الآفاق المهنية أمام شبابها، وتحفيز نشوء نسيج مقاولاتي محلي قادر على الاستفادة المباشرة من استقرار الشركات الكبرى.
وقد شكل الربط بين الأداء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي أحد أبرز التوجيهات التي أكد عليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس خلال اجتماع العمل المنعقد في 28 أكتوبر. فقد دعا جلالته إلى ضمان انعكاسات ملموسة لهذه المشاريع على ساكنة الأقاليم المعنية، وتسريع برامج التكوين الملائمة للأنشطة الاقتصادية الجديدة.
ويستحق هذا التوجيه أن يكون في صلب تقييم المشروع. فحجم الاستثمار، مهما كان كبيراً، لا يكفي وحده للحكم على نجاحه. إن المشروع الاستراتيجي يحقق غاياته عندما يسهم في تنويع الاقتصاد المحلي، وتوفير مؤهلات مهنية مستدامة، وتشجيع المبادرة المقاولاتية، وتحسين الآفاق الاجتماعية للسكان.
ويبرز التكوين في هذا الإطار باعتباره رافعة حاسمة، بالنظر إلى أن مهن الخدمات اللوجستية، والصيانة الصناعية، والتدبير المينائي، والتقنيات الرقمية، والطاقة، تتطلب كفاءات متخصصة. وستحدد قدرة المغرب على إعداد شبابه لمواكبة هذه التحولات جانباً أساسياً من العوائد الاقتصادية والاجتماعية المنتظرة.
وبالموازاة مع ذلك، تبرز ضرورة تمكين المقاولات المغربية من الولوج إلى الأسواق المرتبطة ببناء هذه المركبات الكبرى واستغلالها وتقديم الخدمات المرتبطة بها. ففي غياب سياسة فعالة لتطوير الموردين الوطنيين، والارتقاء بمستويات الإنتاج الصناعي، قد تظل حصة مهمة من القيمة المضافة محصورة في الأنشطة المينائية المباشرة، أو لدى الشركات التي تمتلك مسبقاً إمكانات مالية وتكنولوجية كبيرة.
والتحدي الحقيقي، في نهاية المطاف، هو الانتقال من مفهوم الميناء باعتباره فضاء لعبور السلع إلى تصوره مركزاً للإنتاج، وتنمية المهارات، وتحفيز الابتكار.
وتكتسب هذه الرؤية أبعاداً أوسع عند إدراجها ضمن الاستراتيجية البحرية الشاملة للمملكة.
فطنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط يمثلان ركيزتين ضمن منظومة وطنية تتجاوز في امتدادها المجال المتوسطي. ويعكس تطوير الواجهة الأطلسية، ولا سيما من خلال مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، توجهاً مكملاً يرمي إلى تعزيز انفتاح المغرب على الأسواق الإفريقية، والمساهمة في إحداث ممرات اقتصادية وتجارية جديدة.
وتكمن أهمية هذا التصور في تنوع الوظائف التي تضطلع بها الواجهات البحرية للمملكة. فالواجهة المتوسطية تتيح ارتباطاً مباشراً بأبرز المسارات البحرية الأوروبية والمتوسطية، بينما توفر الواجهة الأطلسية إمكانات إضافية للانفتاح على غرب إفريقيا وشبكات التجارة العابرة للمحيط الأطلسي.
غير أن نجاح هذه الهندسة المينائية الوطنية سيظل مشروطاً بحسن تنسيق الاستثمارات، وتحقيق التكامل الفعلي بين الموانئ، وتفادي تشتيت الموارد أو نشوء منافسة داخلية غير منتجة بين المنشآت الوطنية.
فمضاعفة الطاقات الاستيعابية لا تتحول تلقائياً إلى ميزة اقتصادية، إلا عندما تستجيب لطلب حقيقي، وتندرج ضمن توزيع وظيفي مدروس، وتسهم في الرفع من النجاعة الإجمالية للمنظومة.
وتزداد أهمية هذا الشرط بالنظر إلى التحولات المتسارعة التي تعرفها الموانئ العالمية. فقد أصبحت أتمتة المحطات، وخفض الانبعاثات الكربونية في النقل البحري، والمعايير البيئية الجديدة، والأمن السيبراني، والتحول الرقمي لسلاسل الإمداد، من العناصر التي تعيد صياغة مفهوم التنافسية المينائية.
وللمحافظة على مكتسباته وترجمة طموحاته إلى نتائج مستدامة، سيكون على المغرب مواكبة هذه التحولات التكنولوجية والبيئية، من خلال تطوير تجهيزاته وتحسين أداء خدماته. فالتنافسية المستقبلية لن ترتبط بجودة المنشآت وحدها، بل ستتحدد أيضاً بقدرتها على تقليص آجال المعالجة، وتبسيط الإجراءات، وضمان انسيابية العمليات، وتقديم خدمات تستجيب لأعلى المعايير الدولية.
ولا يمكن، في هذا السياق، التعامل مع البعد البيئي باعتباره مسألة ثانوية. فالتوسع في الأنشطة البحرية والصناعية يفرض عناية دقيقة بالنظم البيئية الساحلية، ومراقبة الانبعاثات، وترشيد استهلاك الموارد، وضمان الاندماج المتوازن للمنشآت الجديدة داخل محيطها الترابي.
فالميناء من الجيل الجديد لا ينبغي أن يُعرّف بحجمه أو طاقته الاستيعابية فقط، بل بقدرته على التوفيق بين النجاعة الاقتصادية، والمسؤولية البيئية، ومتطلبات التنمية المستدامة.
ومن هذا المنظور، يمثل اجتماع العمل الملكي المنعقد في 28 أكتوبر 2026 محطة بارزة في المسار الاقتصادي للمملكة، لما يعكسه من استمرارية رؤية استراتيجية تقوم على استباق الحاجيات، وبناء البنيات التحتية، وتعبئة الشركاء، وتعزيز شبكات الربط، وإدراج الاستثمارات ضمن تصور وطني بعيد المدى.
كما أن انخراط المجموعات البحرية الدولية الكبرى، واهتمام الأوساط الأوروبية بتطور المنظومة المينائية المغربية، وتوسيع القدرات الاستيعابية للموانئ الوطنية، كلها مؤشرات تعكس انتقال المغرب إلى مستوى جديد من الحضور في الاقتصاد البحري العالمي.
لقد راكمت المملكة اليوم رصيداً مهماً من المصداقية في المجال المينائي، غير أن المحافظة عليه وتعزيزه يقتضيان مواصلة العمل وفق المنطق الاستراتيجي نفسه. فالمسألة لا تتعلق بإعلان تحقق قوة بحرية نهائية، وإنما باستيعاب حجم التقدم المحرز، وتحديد الشروط الكفيلة بتحويل هذه الدينامية إلى مكاسب اقتصادية مستدامة.
ومن ثم، فإن الناظور غرب المتوسط يمثل أكثر من مجرد إضافة مينائية جديدة إلى الخريطة المتوسطية. إنه يجسد إرادة توسيع المكاسب الاقتصادية لنموذج أثبت نجاحه ليشمل مجالات ترابية أخرى، وتعزيز السيادة اللوجستية والطاقية للمملكة، وترسيخ حضورها في شبكات المبادلات العالمية.
لقد أثبت طنجة المتوسط أن الرؤية الاستراتيجية قادرة على تحويل مجال ترابي إلى منصة اقتصادية دولية. أما الناظور غرب المتوسط، فيحمل اليوم رهان إثبات إمكانية توسيع هذا النجاح، وتنويع وظائفه، وترجمة ثماره إلى ازدهار أكثر توازناً بين جهات المملكة.
ذلك أن الأثر الحقيقي لهذا الجيل الجديد من الموانئ المغربية لن يُقاس فقط بعدد الحاويات التي تتم مناولتها، أو بمليارات الدراهم المستثمرة، أو بالمراكز التي تحتلها الموانئ في التصنيفات الدولية. بل سيتحدد بمدى قدرة المغرب على تحويل موقعه الجغرافي إلى ميزة تنافسية، وتنافسيته إلى قوة اقتصادية، وقوته الاقتصادية إلى تقدم تتقاسم ثماره مختلف فئات المجتمع ومجالاته الترابية.
فالمغرب لم يعد يكتفي باحتلال موقع استراتيجي على طرق التجارة العالمية، بل يطمح إلى أن يكون طرفاً مؤثراً في رسم المسارات التي سيتشكل على أساسها اقتصاد الغد.