ملفات دبلوماسية
المغرب وسويسرا: المليار يلوح في الأفق… والطموحات أمام امتحان الواقع

العلاقات الاقتصادية المغربية السويسرية بين زخم التقارب الدبلوماسي ورهانات الشراكة المستقبلية.
لم يكن احتفال السفارة السويسرية بالرباط بالعيد الوطني لبلادها مجرد موعد دبلوماسي تقليدي، بل شكّل مناسبة لاستشراف آفاق شراكة اقتصادية تتسع طموحاتها وتتعدد رهاناتها. فمن خلال خطاب جمع بين خفة الظل وعمق الرؤية، رسم السفير السويسري فالنتين تسيلفيغر ملامح مرحلة جديدة في العلاقات بين الرباط وبرن، تتقاطع فيها دينامية المبادلات التجارية مع فرص التكامل الصناعي، وتتلاقى فيها الخبرات التكنولوجية مع آليات التعاون الاقتصادي المستحدثة. غير أن الانتقال بهذه العلاقات إلى مستوى أرحب يظل رهيناً بقدرة البلدين على ترجمة تطلعاتهما المشتركة إلى إنجازات ملموسة ومستدامة.
ثمة خطابات دبلوماسية لا تُقاس أهميتها بما تحمله من إعلانات ومواقف فحسب، بل أيضاً بالطريقة التي تُلقى بها، وبما تتركه من أثر لدى الحاضرين. ولعل خطاب سعادة فالنتين تسيلفيغر، سفير الاتحاد السويسري لدى المملكة المغربية، خلال حفل الاستقبال الذي احتضنته الرباط احتفاءً بالعيد الوطني لبلاده، يندرج ضمن هذا الصنف من الخطابات التي لا تنتقص فيها عفوية الأسلوب من جدية المضمون، ولا يحجب فيها حس الدعابة عمق الرسائل المراد إيصالها.
فأمام حضور ضم شخصيات رسمية وأعضاء السلك الدبلوماسي وممثلين عن الأوساط الاقتصادية، اختار السفير أن يتحرر من القوالب المألوفة للخطاب البروتوكولي، مستهلاً كلمته بوعد لطيف بألا يطيل الحديث حتى يفسح المجال لضيوفه للاستمتاع بالشوكولاتة السويسرية وطبق الراكليت التقليدي الشهير. ثم توالت إشاراته المرحة إلى كرة القدم وأداء المنتخبين الوطنيين، وصولاً إلى قسوة المناخ السويسري، في مداخلات أضفت على المناسبة أجواء من الألفة والود.
غير أن ما بدا في ظاهره حديثاً خفيفاً حمل في جوهره رسالة واضحة مفادها أن التقارب المغربي السويسري بات يستند إلى مقومات سياسية واقتصادية تستحق اهتماماً متجدداً، وأن الفرص المتاحة أمام البلدين تستدعي الانتقال من التعبير عن النوايا إلى توسيع مجالات العمل المشترك.
وتكتسب هذه القدرة على تطويع الخطاب الدبلوماسي دلالتها الخاصة بالنظر إلى المسار المهني الحافل للسفير فالنتين تسيلفيغر. فهو حاصل على الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة بازل، والتحق بوزارة الخارجية السويسرية سنة 1991، قبل أن يتدرج في مناصب دبلوماسية متعددة شملت نيروبي وبرن والأمم المتحدة بنيويورك. وبين سنتي 2003 و2007، شغل منصب مدير ديوان أول رئيس للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، ثم تولى رئاسة مديرية القانون الدولي العام بوزارة الخارجية السويسرية، قبل أن يمثل بلاده لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في جنيف خلال الفترة الممتدة من 2016 إلى 2020.
وواصل مساره الدبلوماسي في شرق إفريقيا، سفيراً لبلاده لدى عدد من الدول انطلاقاً من نيروبي، قبل أن يتولى مهامه بالمغرب في أكتوبر 2024.
إن هذا المسار، الذي تتقاطع فيه الخبرة القانونية الدولية مع الممارسة الدبلوماسية متعددة الأطراف والمعرفة العميقة بالقارة الإفريقية، يفسر إلى حد بعيد طبيعة مقاربته للعلاقات الثنائية. فمنذ توليه مهامه بالمملكة، حرص على جعل التعاون الاقتصادي وتبادل الخبرات والتكوين المهني والتكنولوجيات الحديثة في صدارة أولويات عمله.
وقد عكس خطابه يوم 24 شتنبر 2026 هذه الرغبة في تقريب القضايا الاقتصادية والاستراتيجية من الحاضرين، وتقديمها بلغة واضحة وملموسة، بعيداً عن التعقيدات التي كثيراً ما تطغى على المناسبات الرسمية.
وبعيداً عن خصوصية الخطاب وأسلوب إلقائه، أتاح الاحتفال فرصة لاستحضار مسار سبعة عقود من العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وسويسرا، منذ إرسائها سنة 1956. غير أن الحضور السويسري بالمغرب يسبق هذا التاريخ بعقود، إذ افتتحت سويسرا قنصليتها بالدار البيضاء في نونبر 1921، في دلالة على جذور تاريخية أعمق من الإطار الدبلوماسي الذي تبلور عقب استقلال المملكة.
ويجد هذا الامتداد التاريخي اليوم تعبيراً متجدداً في إرادة البلدين توسيع مجالات التعاون، والارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى يتناسب مع التحولات الاقتصادية التي يشهدها كل منهما.
وفي هذا السياق، تكتسي الزيارة الرسمية التي قام بها وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، إلى برن يوم 24 أبريل 2026 أهمية خاصة، باعتبارها محطة بارزة في مسار التقارب الثنائي. فقد أكد البلاغ المشترك الصادر عقب مباحثاته مع نظيره السويسري إغناسيو كاسيس التزام الحكومتين بتعميق شراكتهما وتوسيع آفاق التعاون بينهما.
وشملت المباحثات العلاقات الاقتصادية والقضايا المناخية والبحث العلمي والتعاون في مجال الهجرة، إلى جانب عدد من الملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
وقد وفرت هذه الدينامية الدبلوماسية إطاراً سياسياً جديداً للمبادرات الاقتصادية التي أعلن عنها السفير السويسري، وأدرجتها ضمن رؤية أوسع تتجاوز حدود التبادل التجاري التقليدي.
ولعل أبرز الأرقام التي توقف عندها السفير في خطابه ذلك المتعلق بالمبادلات التجارية الثنائية، التي سجلت خلال سنة 2025 نمواً بنحو 33 في المائة، لتبلغ قيمتها 980 مليون فرنك سويسري.
وبلغت الواردات السويسرية من المغرب 511 مليون فرنك، مقابل صادرات سويسرية نحو المملكة بقيمة 469 مليون فرنك، وهو ما أتاح للمغرب تحقيق فائض تجاري في المبادلات السلعية مع سويسرا بلغ 42 مليون فرنك.
كما أصبح المغرب ثالث شريك تجاري لسويسرا على مستوى القارة الإفريقية، باستثناء تجارة المعادن النفيسة.
غير أن أهمية هذه المؤشرات لا تكمن في دلالتها الرقمية وحدها، بل في ما تعكسه من تحولات أعمق في طبيعة الحضور الاقتصادي المغربي داخل السوق السويسرية، وهي سوق معروفة بارتفاع قدرتها الشرائية وبصرامة معاييرها في مجالات الجودة والتتبع والمطابقة.
ويكشف هذا التطور أيضاً عن الإمكانات التي تختزنها علاقة اقتصادية تجمع بين شريكين يمتلك كل منهما مزايا مختلفة، لكنها قابلة للتكامل وإنتاج قيمة مضافة مشتركة.
فالمغرب يتوفر على قاعدة صناعية آخذة في التوسع، وبنيات مينائية ولوجستية حديثة، وقرب جغرافي من الأسواق الأوروبية، فضلاً عن حضور اقتصادي متنامٍ في القارة الإفريقية. أما سويسرا، فتتميز بخبرة راسخة في الصناعات الدقيقة والتكنولوجيات الطبية والصناعة الدوائية والخدمات المالية والتكوين والبحث التطبيقي.
ومن شأن التقاء هذين النموذجين الاقتصاديين أن يفتح آفاقاً واعدة أمام التعاون الصناعي والاستثمارات المتبادلة والاندماج في سلاسل القيمة الدولية.
ولا تنطلق هذه الطموحات من فراغ، إذ يشكل الحضور الاقتصادي السويسري بالمغرب قاعدة فعلية يمكن البناء عليها. فوفق المعطيات الرسمية السويسرية، توجد بالمملكة أكثر من ستين شركة سويسرية، توفر نحو ثمانية آلاف منصب شغل مباشر.
كما تستند العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى منظومة قانونية تشمل اتفاقية التبادل الحر المبرمة بين المغرب والرابطة الأوروبية للتبادل الحر، والتي دخلت حيز التنفيذ سنة 1999، واتفاقية التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات، السارية منذ سنة 2005، إلى جانب اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي.
بيد أن توفر هذه الآليات القانونية، على أهميته، لا يكفي وحده لإحداث النقلة المنشودة في العلاقات الاقتصادية. فالمطلوب أيضاً تمكين الفاعلين الاقتصاديين، ولا سيما المقاولات الصغرى والمتوسطة، من المعلومات والتمويل والمواكبة الضرورية للاستفادة الفعلية من الفرص التي تتيحها أسواق البلدين.
وفي صميم هذا التوجه يندرج برنامج التعاون الاقتصادي السويسري للفترة الممتدة من 2025 إلى 2028، المرصود له غلاف مالي قدره 25 مليون فرنك سويسري، والذي يجعل من المغرب بلداً ذا أولوية ضمن تدخلات كتابة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية.
ويرتكز هذا البرنامج على تحسين مناخ الأعمال وإحداث فرص الشغل وتطوير سلاسل القيمة المستدامة وتيسير ولوج المقاولات إلى مصادر التمويل، بما يعزز قدرتها التنافسية ويوسع آفاق نموها.
وفي كلمته، أعلن السفير عن إطلاق ستة مشاريع جديدة للتعاون الاقتصادي خلال سنة 2026، تروم دعم التنافسية والابتكار والتشغيل بالمغرب. ورغم أنه لم يتطرق بالتفصيل إلى مضامين كل مشروع على حدة، فقد قدم هذه المبادرات باعتبارها تجسيداً للتكامل الممكن بين الخبرة الصناعية والتكنولوجية السويسرية والمؤهلات الاقتصادية والجغرافية المغربية.
وتسمح البرامج التي جرى الشروع في تنفيذها بفهم أعمق لأبعاد هذا التوجه. فدعم تنزيل الميثاق المغربي للاستثمار، وتسريع التحول الرقمي للمقاولات الصغرى والمتوسطة، وتطوير حلول تمويلية ملائمة، وتعزيز التكوين المهني، كلها روافع تستهدف الرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني.
ويمتد التعاون إلى قطاعات حيوية، من بينها النسيج والسياحة، حيث يمكن لتطوير الكفاءات والارتقاء بجودة الخدمات والمنتجات أن ينعكس بصورة ملموسة على فرص التشغيل وعلى قدرة المقاولات المغربية على التموقع في الأسواق الدولية.
وتقدم السياحة المستدامة مثالاً معبراً عن هذه المقاربة. ففي جهة بني ملال خنيفرة، يهدف التعاون مع المدرسة الفندقية بلوزان إلى تعزيز الكفاءات المهنية وتثمين المؤهلات السياحية المحلية، بما يساعد على تطوير عرض سياحي أكثر جودة واستدامة.
وفي مجال آخر، يسعى أحد المشاريع إلى توظيف الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في تحليل المخاطر الجمركية، بهدف تحسين فعالية المراقبة وتيسير المبادلات التجارية.
كما تشكل حماية الملكية الفكرية مجالاً إضافياً للتعاون، تتقاطع فيه مصالح المبدعين المغاربة مع اهتمامات الشركات التكنولوجية السويسرية، في ظل تنامي أهمية الابتكار والمعرفة ضمن الاقتصادات الحديثة.
ويحتل البحث العلمي والابتكار بدورهما مكانة متزايدة في العلاقات الثنائية. فقد أتاح بروتوكول التفاهم الموقع سنة 2022 تمويلاً مشتركاً لمشاريع البحث وتنظيم لقاءات علمية، بما يفتح المجال أمام تفاعل أكبر بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات المتخصصة في البلدين.
أما التعاون المناخي، فيستند إلى اتفاق ثنائي أُبرم خلال السنة نفسها، ويهدف إلى تشجيع المشاريع الرامية إلى خفض الانبعاثات، وتحفيز الاستثمارات المرتبطة بها.
وتكتسي هذه الأبعاد العلمية والتكنولوجية أهمية استراتيجية في بناء شراكة تتجاوز منطق المبادلات التجارية نحو إنتاج المعرفة وتوطين الخبرات.
فبالنسبة إلى المقاولات المغربية، لا يتمثل الرهان في استقطاب رؤوس الأموال وحدها، وإنما يشمل أيضاً اكتساب الكفاءات والتكنولوجيات والقدرات الابتكارية الكفيلة برفع القيمة المضافة لمنتجاتها وخدماتها.
أما بالنسبة إلى الشركات السويسرية، فيمكن أن يشكل المغرب سوقاً واعدة وقاعدة صناعية ومنطلقاً لتوسيع أنشطتها داخل القارة الإفريقية.
ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري مطروحاً: كيف يمكن تحويل هذا التقاطع في المصالح إلى شراكة اقتصادية تتناسب فعلياً مع حجم الإمكانات التي يتوفر عليها البلدان؟
فرغم النمو الملحوظ الذي سجلته المبادلات التجارية خلال سنة 2025، فإن بقاء قيمتها دون عتبة المليار فرنك سويسري يكشف عن هامش واسع لم يُستثمر بعد.
ولا يتعلق الأمر بمجرد الرفع من حجم الصادرات والواردات، بل يتعداه إلى تنويع المبادلات، وتعزيز محتواها التكنولوجي، وتطوير القيمة المضافة المحلية، وتمكين الفاعلين الاقتصاديين من بناء شراكات صناعية وتجارية طويلة الأمد.
وفي هذا الصدد، تبرز مجموعة من التحديات التي تستدعي معالجة دقيقة ومقاربة عملية.
فالحصول على التمويل ما زال يمثل عائقاً أمام العديد من المقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة الراغبة في تحديث تجهيزاتها أو توسيع صادراتها أو إقامة شراكات صناعية دولية.
كما أن المتطلبات التقنية والصحية والبيئية الصارمة التي تميز السوق السويسرية قد تفرض على المقاولات المغربية تكاليف إضافية للتكيف مع المعايير المعتمدة، وهو ما يستدعي آليات مواكبة تمكنها من الارتقاء بجودة إنتاجها وتعزيز قدرتها على النفاذ إلى هذه السوق.
وفي المقابل، يحتاج المستثمرون السويسريون إلى رؤية واضحة بشأن المساطر الإدارية، والآجال المرتبطة بإنجاز المشاريع، ومدى توفر الكفاءات المؤهلة، وشروط الولوج إلى الأسواق.
ويشكل إدماج المقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة في سلاسل القيمة الدولية ورشاً آخر لا يقل أهمية. ذلك أن القرب الجغرافي من أوروبا وجودة البنيات التحتية، مهما بلغت أهميتهما، لن يحققا كامل أثرهما الاقتصادي ما لم يواكبهما تحسن مستمر في الإنتاجية، وارتفاع مستوى تأهيل اليد العاملة، وتطوير القدرات الابتكارية.
ولا تقتصر هذه التحديات على العلاقات المغربية السويسرية، بل تندرج ضمن إكراهات هيكلية أوسع يسعى برنامج التعاون الاقتصادي السويسري إلى معالجتها، من خلال تقليص العوائق التنظيمية، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير المهارات، وتيسير التمويل، وتعزيز سلاسل القيمة المستدامة.
وإلى جانب هذه الاعتبارات الاقتصادية، تبرز ضرورة تكثيف اللقاءات المباشرة بين الفاعلين في البلدين، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لبناء شراكات تقوم على المعرفة المتبادلة والثقة واستمرارية التواصل.
ومن شأن تنظيم بعثات اقتصادية قطاعية منتظمة، وإحداث منصات للربط بين المقاولات، وإقامة شراكات مباشرة بين مؤسسات التكوين والجامعات ومراكز البحث، أن يمنح التعاون الثنائي زخماً إضافياً، ويساعد على تحويل الفرص النظرية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.
كما أن التعريف بصورة أوسع بفرص الاستثمار المتاحة في المغرب لدى الأوساط الاقتصادية السويسرية، وإبراز الإمكانات التي توفرها السوق السويسرية أمام المصدرين المغاربة، يمثلان عاملين أساسيين لتوسيع قاعدة المستفيدين من هذه الشراكة.
ومن هنا، تبرز أهمية إضفاء بُعد عملي على الزخم الدبلوماسي الذي أفرزته مباحثات أبريل 2026، من خلال تعزيز التنسيق بين المؤسسات العمومية وغرف التجارة والاتحادات المهنية وهيئات تشجيع الاستثمار.
فنجاح هذه المرحلة لن يُقاس بعدد المشاريع المعلن عنها فحسب، بل بمدى قدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس، سواء من حيث فرص الشغل المحدثة، أو حجم الاستثمارات المستقطبة، أو عدد المقاولات المستفيدة من المواكبة، أو مستوى نقل التكنولوجيا، أو فتح منافذ تجارية جديدة.
وفي خضم هذه التحولات، يكتسب دور السفير فالنتين تسيلفيغر أهمية خاصة. فخبرته الواسعة في العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف، ومعرفته بالقارة الإفريقية، تتيحان له مقاربة العلاقات مع المغرب من منظور يتجاوز حدود السوق الوطنية إلى الامتدادات الاقتصادية والإقليمية الأوسع للمملكة.
كما أن رغبته المعلنة في زيارة مختلف جهات المغرب، والالتقاء بفاعليها الاقتصاديين والتعرف إلى مؤهلاتها، تعكس تصوراً للعمل الدبلوماسي يقوم على الانفتاح على الواقع الميداني، وعدم الاكتفاء بالتواصل داخل الدوائر الرسمية.
وقد جسد خطابه خلال الاحتفال بالعيد الوطني السويسري هذا التوجه بأسلوب إنساني لافت. فمن خلال المزاوجة بين الإشارات الثقافية وروح الدعابة والمعطيات الاقتصادية، استطاع أن يعرض حصيلة التقدم المحرز في العلاقات الثنائية دون أن يحصر حديثه في تراكم الأرقام أو العبارات البروتوكولية.
ولعل مزحته الختامية بشأن سخاء حصص طبق الراكليت، وتمنيه أن ينعكس هذا السخاء على ثراء المبادلات بين المدعوين، لخصت جانباً من مقاربته التي تجعل من الألفة وحسن التواصل فضاءً للحوار وتقريب وجهات النظر.
ولئن كانت الدبلوماسية الاقتصادية لا تقوم على شخصية ممثلي الدول وحدهم، بل تستند أساساً إلى قرارات سياسية وتعبئة مؤسساتية وانخراط فعلي للقطاع الخاص، فإن دور السفير يظل مهماً في مد الجسور بين هذه العوالم المختلفة، وتيسير التواصل بينها، والمحافظة على الزخم الضروري لتحقيق الأهداف المشتركة.
وفي مرحلة يواصل فيها المغرب مسار تحوله الاقتصادي، وتسعى خلالها سويسرا إلى تعميق شراكاتها مع الأسواق الواعدة، يمتلك البلدان اليوم إطاراً سياسياً متجدداً وآليات تعاون قادرة على إحداث أثر اقتصادي يمتد على المدى الطويل.
غير أن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتحول فيها العلاقات من مبادلات تجارية آخذة في النمو إلى شراكة اقتصادية قادرة على تشجيع الإنتاج الصناعي المشترك، وتطوير البحث العلمي التشاركي، وتعزيز انتقال الكفاءات، واستقطاب استثمارات تخلق قيمة مضافة داخل اقتصادَي البلدين.
وهكذا، أعاد الاحتفال بالعيد الوطني السويسري التذكير بأن العلاقات الثنائية لا تُبنى فقط بالاتفاقيات التي تُوقّع في العواصم، وإنما تتعزز أيضاً بالثقة التي تنمو بين المؤسسات والمقاولات والنساء والرجال الذين يجسدونها على أرض الواقع.
وبين الرباط وبرن، ما زالت صفحات واسعة من الفصل الاقتصادي المقبل تنتظر أن تُكتب.
