الدبلوماسية الثقافية
من أصيلة تُقرأ تحولات العالم… إفريقيا والموارد في معادلة جيوسياسية جديدة

في أصيلة، لا تبدأ الثقافة من منصة الاحتفال، بل من سؤال العالم. ومع افتتاح الدورة الخريفية السابعة والأربعين لموسم أصيلة الثقافي الدولي، يوم الجمعة 2 أكتوبر، عادت المدينة لتؤكد أنها لا تكتفي باحتضان الإبداع، بل تجعل منه مدخلاً لقراءة التحولات الكبرى التي تعيد اليوم تشكيل موازين القوة والنفوذ.
إفريقيا حضرت منذ اللحظة الأولى في قلب هذا الرهان. قارة غنية بالموارد، مثقلة بالتحديات، وموجودة في صلب المنافسة الدولية الجديدة على الماء والطاقة والمعادن والممرات الاستراتيجية. ومن هنا بدا افتتاح دورة 2026 أقرب إلى إعلان فكري وسياسي: لم يعد السؤال ماذا تملك إفريقيا، بل كيف يمكنها أن تحوّل ما تملكه إلى قوة، وإلى قدرة على الفعل داخل نظام دولي سريع التحول.
وتحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تتواصل فعاليات الدورة الخريفية للموسم إلى غاية 18 أكتوبر، بمشاركة أكثر من 400 شخصية تنتمي إلى الحقول الدبلوماسية والسياسية والفكرية والثقافية والفنية والإعلامية، في إطار تنظمه مؤسسة منتدى أصيلة بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل وجماعة أصيلة.
واختيار موضوع «التحديات الطاقية والمائية في إفريقيا والمشاريع الاستراتيجية: نحو جغرافيا سياسية جديدة» لم يكن تفصيلاً ضمن البرنامج، بل شكّل المدخل الحقيقي لفهم الرؤية التي تحكم هذه الدورة. فالنقاش لم يتوقف عند الماء والطاقة باعتبارهما قطاعين للتنمية، بل انتقل إلى سؤال أوسع يتعلق بموقع إفريقيا داخل التوازنات الجديدة: كيف يمكن للقارة أن تحول ثرواتها الطبيعية الهائلة إلى أدوات للتنمية والاندماج الإقليمي وتعزيز قدرتها الاستراتيجية، في زمن أصبحت فيه الموارد عنصراً مباشراً من عناصر النفوذ والقوة؟
بهذا المعنى، تكشف دورة أصيلة عن تطور واضح في فلسفة الموسم. فالثقافة ما تزال هي الأساس، غير أنها لم تعد منفصلة عن السياسة والاقتصاد والدبلوماسية، بل أصبحت فضاءً تلتقي داخله هذه الحقول جميعاً لفهم التحولات الدولية المتسارعة.
الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، حاتم البطيوي، وضع النقاش في سياقه العالمي الأوسع، مستحضراً التحولات السريعة التي تطال موازين القوة، وتصاعد المنافسة حول الموارد الطبيعية والممرات التجارية ومجالات النفوذ. وهي قراءة تؤكد أن الماء والطاقة لم يعودا مجرد ملفين مرتبطين بالسياسات التنموية، بل أصبحا جزءاً من البنية الجديدة للعلاقات الجيوسياسية.
وتقاطعت هذه الرؤية مع مداخلات عدد من الشخصيات الدولية البارزة المشاركة في الموسم.
فقد شدد رومانو برودي، الرئيس الأسبق لمجلس الوزراء الإيطالي والرئيس الأسبق للمفوضية الأوروبية، على أن مستقبل إفريقيا يرتبط إلى حد بعيد بقدرتها على تحقيق مستويات أوسع من الاندماج الاقتصادي، وتقليص تجزئة أسواقها، وتطوير بنياتها التحتية، وتعزيز آليات التعاون بين دولها. فامتلاك الموارد، وفق هذا المنظور، لا يكفي وحده لضمان النفوذ ما لم يُدعَم ببنية اقتصادية متكاملة قادرة على تحويل الثروة إلى قوة تنموية حقيقية.
أما ميغيل أنخيل موراتينوس، وزير الخارجية الإسباني الأسبق والممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات، فقد توقف عند المكانة المتنامية للموارد الإفريقية داخل الحسابات الدولية الجديدة. فالمعادن الاستراتيجية ومصادر الطاقة والثروات الطبيعية أعادت القارة إلى قلب المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، غير أن هذا الاهتمام المتزايد يطرح في المقابل تحدياً أساسياً يتمثل في ألا تتحول المركزية الجديدة لإفريقيا إلى مجرد إعادة إنتاج لأنماط الاستغلال القديمة.
وهنا برزت مفارقة إفريقية لافتة أشار إليها رئيس الوزراء الموريتاني الأسبق سيدي محمد ولد بوبكر: قارة تتوفر على احتياطات طاقية ومعدنية وشمسية ضخمة، لكنها ما تزال تعاني خصاصاً كبيراً في الولوج إلى الكهرباء، وتتحمل، بصورة غير متكافئة، تداعيات الاختلالات المناخية.
هذه المفارقة تعيد طرح السؤال في جوهره: هل ستظل إفريقيا مصدراً للمواد الخام، أم ستتمكن من الانتقال إلى مرحلة خلق القيمة داخل القارة نفسها، عبر التصنيع والتحويل والاستثمار في البنيات الإنتاجية والتكنولوجية؟
الماء بدوره حضر باعتباره أحد الملفات التي ستحدد شكل العلاقات المستقبلية بين الدول الإفريقية. فهو مورد يمكن أن يتحول إلى مصدر للتوتر، لكنه قد يصبح أيضاً قاعدة للتعاون الإقليمي. ومن هنا جاءت الإشارة إلى تجربة منظمة استثمار نهر السنغال، باعتبارها نموذجاً لإدارة مورد مشترك من خلال التنسيق بين عدة دول، بما يبرز أن منطق التعاون يمكن أن يقدم بديلاً واقعياً عن منطق الصراع حول الموارد.
ومنذ يومها الأول، وضعت الدورة السابعة والأربعون معادلة تبدو مرشحة لأن تظل حاضرة في مختلف النقاشات: إفريقيا تتوفر على جزء أساسي من الموارد التي ستسهم في تشكيل اقتصاد العالم خلال العقود المقبلة، لكن موقعها الحقيقي لن تحدده كمية ما تملكه من ثروات، بل قدرتها على التحكم في استغلالها وتحويلها والاستفادة من عائداتها.
في هذا التقاطع تحديداً تكمن خصوصية موسم أصيلة.
فهو لا يضع الثقافة في جهة والسياسة الدولية في جهة أخرى، ولا يجمع بينهما بصورة شكلية. بل راكم، عبر عقود، نموذجاً تصبح فيه الفكرة الثقافية مدخلاً لفهم السياسة والاقتصاد والمجتمع والتحولات الدولية.
وإلى جانب النقاشات المرتبطة بإفريقيا، ستعرف الدورة لقاءات حول تحولات العالم العربي والأدب والشعر والفنون التشكيلية والإبداع، فضلاً عن «خيمة الإبداع» والمعارض وتوقيعات الكتب والدورة الثامنة من جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب، بما يرسخ ذلك التداخل بين الفكر والفن الذي ظل إحدى السمات المميزة لتجربة أصيلة.
وتزداد دلالة هذا البرنامج وضوحاً عند وضعه داخل المسار الثقافي للمدينة. فمنذ سنة 1978، نجحت أصيلة في بناء تجربة قلّما حافظت مدينة صغيرة على استمراريتها بهذا الزخم: تحويل فضاء أطلسي هادئ إلى نقطة لقاء بين الفنانين والمفكرين والدبلوماسيين والمسؤولين السياسيين والأجيال الجديدة.
وسط هذا المشهد المضطرب، يصبح الحفاظ على فضاء يجتمع فيه السياسي والدبلوماسي والمفكر والمبدع لمناقشة المستقبل أكثر من مجرد وفاء لتقليد ثقافي. إنه دفاع عن قيمة الحوار نفسها، وعن ضرورة إبقاء قنوات التفكير مفتوحة في زمن تتزايد فيه الانقسامات والمواجهات.
ولهذا تدخل أصيلة دورتها السابعة والأربعين وهي لا تستند إلى ذاكرتها لكي تحتفي بالماضي فقط، بل لتجعل من هذا الإرث أداة لفهم ما يتشكل أمامها.
وقد تكون تلك هي القوة الأعمق لموسم أصيلة بعد ما يقارب نصف قرن من الاستمرارية: أنه أدرك مبكراً أن الثقافة لا تكتسب قيمتها حين تكتفي بمرافقة العالم، بل حين تملك الجرأة على مساءلته، وتفكيك تحولاته، والمساهمة في التفكير في ملامح مستقبله.



