ملفات دبلوماسية
المرأة المغربية… عشرة على عشرة في العاشر من أكتوبر: إنجاز يكتب فصلاً جديداً في تاريخ المملكة

من بناء الأسرة وصناعة الأجيال إلى قيادة المؤسسات وتحمّل أعلى المسؤوليات، تواصل المرأة المغربية ترسيخ حضورها في مسار التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة.
يحمل العاشر من أكتوبر هذه السنة دلالة تتجاوز المعنى الاحتفالي الذي ارتبط بهذا الموعد في الذاكرة الوطنية. فقد أضحى اليوم الوطني للمرأة المغربية، في ظل التطور الذي شهدته الحياة السياسية للمملكة بتعيين امرأة على رأس الحكومة، مناسبة لقراءة مسار طويل من التحولات الاجتماعية والتشريعية والمؤسساتية، والوقوف عند ما تحقق من مكتسبات، وما لا يزال مطروحاً من تحديات في سبيل ترسيخ المكانة الفعلية للمرأة في المجتمع والدولة.
ولعل أجمل ما تختزنه هذه المناسبة من رمزية أن المرأة المغربية تستحق، في اليوم العاشر من الشهر العاشر، علامة عشرة على عشرة. غير أن هذه العلامة ليست تقييماً مدرسياً لأدائها، ولا حكماً بانتهاء مسيرة المطالبة بالإنصاف، وإنما اعتراف بمكانتها في تاريخ المغرب وحاضره، وبقدرتها على الجمع بين صون الذاكرة الجماعية والإسهام في صناعة المستقبل.
فالمرأة المغربية لم تنتظر شهادة اعتراف بقيمتها، لأنها أثبتت حضورها في تفاصيل الحياة اليومية، وفي تربية الأجيال، وفي صيانة التوازنات الاجتماعية، كما أثبتته في ميادين العلم والإنتاج والثقافة والاقتصاد والعمل السياسي والدبلوماسي. وهو حضور لا يمكن اختزاله في منصب أو شهادة أو نجاح فردي، لأنه يعكس مساهمة متواصلة في بناء المجتمع وتطوير مؤسساته.
المرأة المغربية… قوة صنعت التاريخ وأسهمت في بناء الحاضر
لا تستقيم قراءة التاريخ المغربي بمعزل عن الدور الذي اضطلعت به المرأة في مختلف مراحله. فقد كانت شريكة في مقاومة الاستعمار، وحاضرة في نشر التعليم وحفظ الذاكرة الثقافية، وفاعلة في الإنتاج الاقتصادي والاجتماعي، قبل أن يتسع حضورها تدريجياً إلى مجالات المسؤولية والتدبير وصناعة القرار.
ومن المرأة القروية التي تواجه قسوة الظروف الطبيعية والاقتصادية، إلى المعلمة التي تساهم في تكوين الأجيال، والطبيبة التي تصون الحق في الصحة، والباحثة التي توسع آفاق المعرفة، والمقاولة التي تخلق فرص الشغل، والدبلوماسية التي تمثل بلدها في المحافل الدولية، تتعدد الأدوار وتتقاطع عند حقيقة أساسية مفادها أن تقدم المغرب ظل مرتبطاً، في جانب مهم منه، بعطاء نسائه.
غير أن الاعتراف بهذا العطاء يقتضي تجاوز التصورات التقليدية التي تقيس قيمة المرأة بمدى قدرتها على تحمل أعباء الأسرة وحدها. فتربية الأبناء وصيانة استقرار الأسرة مسؤولية مشتركة، كما أن بناء مجتمع متوازن يستوجب توزيعاً عادلاً للواجبات وتكافؤاً حقيقياً في الحقوق والفرص.
إن قوة المرأة المغربية لا تكمن فقط في تعدد مسؤولياتها، بل في قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، وعلى المشاركة في تغيير محيطها، أياً كان موقعها الاجتماعي أو المهني.
العاشر من أكتوبر… تاريخ يحمل بصمة الإصلاح الملكي
لا يمكن فصل اليوم الوطني للمرأة المغربية عن المشروع الإصلاحي الذي أرسى معالمه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والذي جعل من النهوض بأوضاع النساء أحد المداخل الأساسية لتحديث المجتمع وتعزيز العدالة والإنصاف.
ففي العاشر من أكتوبر سنة ألفين وثلاثة، أعلن جلالة الملك التوجهات الكبرى لإصلاح مدونة الأسرة، التي دخلت حيز التنفيذ سنة ألفين وأربعة، في تحول تشريعي شكل محطة فارقة في مسار الاعتراف بحقوق المرأة وإعادة تنظيم المسؤوليات داخل المؤسسة الأسرية.
ولم تكن أهمية هذا الإصلاح محصورة في تعديل المقتضيات القانونية، بل تجلت أيضاً في الفلسفة التي حملها، والقائمة على اعتبار الارتقاء بأوضاع المرأة جزءاً لا يتجزأ من المشروع المجتمعي والتنموي للمملكة.
ومنذ تلك المحطة، شهد المغرب تطورات ملموسة في تعليم الفتيات، وحضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة، وتوسع المبادرات المقاولاتية النسائية، وولوج مناصب المسؤولية. وقد أسهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل صورة المرأة داخل الفضاء العام، وفي توسيع المجالات التي تستطيع من خلالها إثبات كفاءتها والمشاركة في صناعة القرار.
ومع ذلك، لم تكن وتيرة التقدم متساوية بين مختلف الفئات والمجالات الترابية، وهو ما يجعل تقييم الإصلاح مرتبطاً بمدى انعكاسه على الحياة اليومية للنساء، وليس فقط بحجم التحولات المسجلة على المستوى القانوني والمؤسساتي.
امرأة على رأس الحكومة… تحول في رمزية السلطة التنفيذية
تكتسب سنة ألفين وست وعشرين مكانة خاصة في مسار التمثيلية السياسية للمرأة المغربية، بعدما شهد التاسع والعشرون من شتنبر تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، وتكليفها بتشكيل الجهاز التنفيذي الجديد، وفق المقتضيات الدستورية ذات الصلة.
ويحمل هذا التعيين، باعتباره الأول من نوعه في تاريخ المملكة، دلالات تتجاوز المسار السياسي والشخصي للمسؤولة المعنية، ليؤشر إلى اتساع مجال حضور النساء في أعلى مستويات تدبير الشأن العام.
فبلوغ امرأة رئاسة الحكومة لا يمثل مجرد انتقال إلى موقع متقدم داخل الهيكل التنفيذي، بل يعكس تحولاً في تمثل المجتمع لإمكانات القيادة النسائية، وفي طبيعة الأدوار التي باتت المرأة مؤهلة للاضطلاع بها داخل المؤسسات.
غير أن القيمة التاريخية لهذا التطور لا ينبغي أن تحجب ضرورة إخضاعه لمعيار الإنجاز. فالمناصب العليا تكتسب معناها الكامل من خلال السياسات التي تنتجها، والقرارات التي تتخذها، والتحولات التي تحدثها في حياة المواطنين.
ومن ثم، فإن تعيين امرأة على رأس الحكومة يشكل محطة بالغة الرمزية في مسار التمثيلية النسائية، لكنه يطرح في المقابل مسؤولية مضاعفة تتعلق بترجمة هذا التقدم إلى سياسات عمومية قادرة على توسيع فرص النساء وتحسين أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية.
وسيحتفظ التاريخ بدلالة هذا التعيين، أما تقييم أثره الفعلي فسيظل رهيناً بحصيلة الإصلاحات ونجاعة التدبير ومدى قدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات المجتمع.
من الاعتراف الرمزي إلى الإنصاف الفعلي
إن الاحتفاء بالمرأة المغربية لا يكتمل بتعداد إنجازاتها أو إبراز النماذج النسائية الناجحة، ما لم يقترن بقراءة موضوعية للاختلالات التي لا تزال تحد من استفادة فئات واسعة من النساء من ثمار التنمية.
فالتفاوتات المجالية، وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل، والهشاشة الاقتصادية، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وعدم التوازن في توزيع الأعباء المنزلية، تظل تحديات بنيوية تستدعي سياسات عمومية أكثر نجاعة واستمرارية.
ولا يمكن للشابة الحاصلة على شهادة جامعية دون أن تجد فرصة مهنية مناسبة، أو للمرأة القروية التي تعاني ضعف الخدمات الأساسية، أو للمقاولة التي تواجه صعوبات التمويل، أن تعتبر التقدم الرمزي بديلاً عن التحسن الملموس في ظروف حياتها.
وهنا تتحدد القيمة الحقيقية للمرحلة الجديدة: أن يواكب الارتقاء بالتمثيلية النسائية في قمة المؤسسات توسيع الفرص في القاعدة الاجتماعية، وأن تتحول المساواة من مبدأ قانوني إلى واقع اقتصادي واجتماعي محسوس.
وتظل المشاركة الاقتصادية للنساء، وضمان ولوجهن العادل إلى الموارد والتمويل، وتعزيز حضورهن في مواقع القرار، وتوفير الحماية الفعلية لحقوقهن، مؤشرات أساسية لقياس مدى تقدم النموذج التنموي الوطني.
ذلك أن مجتمعاً لا يستثمر كامل طاقاته البشرية يحرم نفسه من جزء مهم من إمكانات التطور والإبداع والإنتاج.
جيل جديد من المغربيات… طموح يتجاوز الحدود التقليدية
تفتح التحولات الجارية أمام الأجيال الصاعدة من المغربيات آفاقاً لم تكن متاحة بالقدر نفسه للأجيال السابقة.
فالفتاة المغربية التي ترى اليوم نساء يتولين مسؤوليات حكومية، ويقدن مؤسسات اقتصادية، ويبرزن في البحث العلمي والابتكار والعمل الدبلوماسي، وتصل إحداهن إلى رئاسة الحكومة، تنشأ في فضاء تتسع فيه صورة الممكن، وتتراجع فيه تدريجياً بعض الحدود التي كانت تفرضها التصورات الاجتماعية التقليدية.
غير أن هذا التطور ينبغي ألا يتحول إلى ضغط جديد يلزم المرأة بالتميز في كل المجالات حتى تحظى بالتقدير. فالمساواة الحقيقية لا تعني مطالبة جميع النساء باتباع المسار نفسه، ولا ربط قيمتهن بتحقيق النجاح المهني والاجتماعي والأسري في آن واحد.
إن جوهر التقدم يكمن في ضمان حرية الاختيار، وتمكين كل امرأة من بناء مسارها وفق قدراتها وتطلعاتها، بعيداً عن القيود التي قد يفرضها الوسط الاجتماعي أو المجال الترابي أو الصور النمطية المرتبطة بالنوع.
وفي هذا السياق، لا تقل أهمية المرأة التي تؤدي دورها بعيداً عن الأضواء عن تلك التي تتصدر المشهد العام. فالمساهمات الهادئة والمتواصلة في الأسرة والمدرسة والمزرعة والمصنع والإدارة تمثل جزءاً أصيلاً من الرصيد الإنساني والتنموي للمملكة.
عشرة على عشرة… تقدير مستحق ومسؤولية متجددة
إن منح المرأة المغربية علامة عشرة على عشرة في يومها الوطني لا يعني أن كل معارك الإنصاف قد حسمت، أو أن مسار الإصلاح بلغ نهايته. إنه تعبير رمزي عن الاعتزاز بقدرتها على الصمود والعطاء، وعن تقدير ذكائها وكفاءتها وإسهامها في بناء الوطن.
وهو، في الوقت نفسه، دعوة إلى تجاوز النظرة التي تحصر قضايا المرأة في مجال اجتماعي محدود، والارتقاء بها إلى مرتبة الأولوية الاستراتيجية المرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية وفعالية المؤسسات.
لقد التقت هذه السنة رمزية العاشر من أكتوبر مع تطور غير مسبوق في تاريخ السلطة التنفيذية بالمغرب، وهو التقاء يمنح المناسبة بعداً يتجاوز الاحتفال إلى التأمل في مستقبل الحضور النسائي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
فالمرأة المغربية التي كانت، ولا تزال، إحدى الدعائم الأساسية للأسرة والنسيج الاجتماعي، تفتح اليوم صفحة جديدة في تاريخ مشاركتها السياسية. غير أن أهمية هذه الصفحة لن تقاس فقط بعلو المنصب الذي بلغته، وإنما بعمق التحولات التي يمكن أن تنعكس على واقع المغربيات، حاضراً ومستقبلاً.
وتبقى الرسالة الأبلغ لهذا اليوم أن المرأة المغربية ليست مطالبة بإثبات جدارتها من جديد، فقد أثبتتها عبر التاريخ وفي مختلف ميادين الحياة. أما الرهان المطروح اليوم، فهو أن يواكب الاعتراف بقيمتها تعزيز فعلي لحقوقها وحرياتها وفرصها في المستقبل.
في العاشر من أكتوبر، تستحق المرأة المغربية عشرة على عشرة، لا لأن الطريق أصبح خالياً من التحديات، بل لأنها أثبتت قدرتها على السير فيه بعزيمة وكفاءة وكرامة.
وإلى كل مغربية تصنع الفرق في صمت، وإلى كل امرأة تتحمل مسؤولية في موقع القرار، يبقى أسمى معاني التكريم أن تجد طموحاتهن جميعاً، في مغرب الغد، آفاقاً تليق بما يقدمنه لوطنهن.

