Non classé

من مسقط إلى الجديدة صهيل عُمان يروي حكاية حضارتين

الخيالة السلطانية العُمانية تكتب صفحة جديدة في معرض الفرس المغربي، والدبلوماسية الثقافية تمنح العلاقات بين البلدين أفقاً يتجاوز اللقاءات الرسمية

لا يختزل حضور سلطنة عُمان في الدورة السابعة عشرة لمعرض الفرس للجديدة في مشاركة أجنبية تنضاف إلى قائمة الوفود والعارضين، ولا في استعراض لفنون الفروسية أمام جمهور اعتاد مشاهدة الخيول في أبهى تجلياتها. فالمشاركة العُمانية الأولى، ممثلة بالخيالة السلطانية، تحمل دلالة أعمق من بعدها الاحتفالي، وتفتح نافذة على تراث عربي أصيل، ظل فيه الفرس شاهداً على تحولات التاريخ، ورفيقاً للإنسان، وعنصراً من عناصر الهوية والذاكرة الجماعية.
في الجديدة، حيث يلتقي الموروث المغربي العريق بتجارب فروسية وافدة من ثقافات مختلفة، تحضر سلطنة عُمان لتقدم جانباً من شخصيتها الحضارية. وهي شخصية تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الإنسان والأرض والبحر والصحراء، واحتفظت للخيل بمكانة تتجاوز وظيفتها التقليدية لتجعل منها رمزاً للجمال والانضباط والأصالة.
ولذلك، فإن أهمية هذه المشاركة لا تكمن فقط في كونها الأولى من نوعها، بل في الأسئلة التي تثيرها حول قدرة التراث المشترك على إنتاج مساحات جديدة للتعاون الثقافي، وحول الدور الذي يمكن أن تضطلع به الدبلوماسية في تحويل المناسبات الكبرى إلى جسور حقيقية للتعارف والتقارب.

معرض الجديدة من الاحتفاء بالفرس إلى بناء منظومة ثقافية واقتصادية
منذ تأسيسه سنة 2008، تطور معرض الفرس للجديدة ليصبح أحد المواعيد المرجعية للفروسية بالمغرب، مستفيداً من الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ومن رؤية مؤسساتية جعلت النهوض بقطاع الخيل جزءاً من الاهتمام بالتراث الوطني والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وتنعقد دورته السابعة عشرة، الممتدة من 13 إلى 18 أكتوبر 2026 بمركز المعارض محمد السادس، تحت شعار «الفرس في خدمة الإنسان»، وهو اختيار يحمل في جوهره دعوة إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الإنسان والخيل، بعيداً عن اختزالها في المنافسة الرياضية أو الاستعراض الاحتفالي.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة بالنظر إلى تعدد الوظائف التي يؤديها المعرض. فهو فضاء للتعريف بالسلالات الأصيلة، ومجال لتبادل الخبرات بين المربين والمهنيين، ومنصة للحفاظ على الحرف المرتبطة بالفروسية، فضلاً عن كونه موعداً ثقافياً تتقاطع فيه الفنون التقليدية مع الممارسات الرياضية الحديثة.
وتتجلى خصوصيته المغربية في حضور فن التبوريدة، الذي يجسد علاقة مركبة بين الفارس وفرسه، تقوم على التحكم والدقة والانسجام الجماعي واحترام التقاليد المتوارثة. كما تمنح مسابقات الخيول العربية الأصيلة والبربرية والعربية البربرية، إلى جانب المنافسات الرياضية واللقاءات المتخصصة، صورة عن قطاع تتداخل فيه المحافظة على الموروث مع متطلبات التطوير والاحتراف.
غير أن الرهان الأكبر للمعرض يتجاوز نجاحه التنظيمي وجاذبيته الجماهيرية. فالحفاظ على مكانته الدولية يقتضي تحويل هذا التراكم إلى نتائج ملموسة، سواء عبر تطوير سلاسل القيمة المرتبطة بتربية الخيل، أو توسيع فرص التكوين، أو تقوية البحث العلمي والبيطري، أو توفير آفاق اقتصادية للحرفيين والمربين، خصوصاً في العالم القروي.
ومن هذا المنظور، تكتسب مشاركة سلطنة عُمان أهمية إضافية، لأنها تتيح المقارنة بين تجربتين عربيتين تمتلك كل منهما رصيداً تاريخياً متميزاً في فنون الفروسية، وتواجهان معاً تحدي نقل هذا الرصيد إلى الأجيال المقبلة.
الخيالة السلطانية العُمانية تراث تتجدد قوته بالانضباط والاحتراف
لا يمكن استيعاب خصوصية الخيالة السلطانية العُمانية دون النظر إلى المكانة التي تحتلها الخيل في الثقافة العُمانية، حيث ارتبطت بالفروسية والشجاعة والمهارة والاحتفاء بالمناسبات الوطنية والاجتماعية.

فالخيل في الوجدان العُماني ليست مجرد وسيلة ارتبطت بظروف الماضي، وإنما جزء من لغة رمزية تعبر عن الاعتزاز بالأصالة وعن علاقة الإنسان بمحيطه وتاريخه.
وقد ساهمت الخيالة السلطانية في الحفاظ على هذا الموروث وتطوير حضوره الرياضي والفني، من خلال مشاركات دولية تجمع بين رياضات الخيل التقليدية وفنون العرض والانضباط الجماعي والمنافسات المتخصصة.
وهنا تكمن إحدى نقاط التميز في التجربة العُمانية: الجمع بين المحافظة على الشخصية التراثية للفروسية والانفتاح على آليات التأهيل والتطوير الرياضي.
فالتراث الذي لا يجد طريقه إلى التجدد مهدد بالتحول إلى مجرد صورة محفوظة في الذاكرة، أما التراث الذي تستثمر فيه المؤسسات والمعرفة والتكوين، فيظل قادراً على الاستمرار وإنتاج قيمة ثقافية ورياضية متجددة.
ومن شأن حضور الخيالة السلطانية في الجديدة أن يتيح للجمهور المغربي الاقتراب من هذه التجربة، واكتشاف وجوه التشابه والاختلاف بينها وبين تقاليد الفروسية المغربية، في لقاء لا يفترض التطابق بين المدرستين، بل يجعل من تنوعهما مصدراً للإثراء المتبادل.
بين التبوريدة المغربية والفروسية العُمانية ذاكرة مشتركة وتعبيرات متفردة
ما يمنح اللقاء بين الفروسية المغربية والعُمانية جاذبيته الخاصة هو انتماؤهما إلى فضاء حضاري تتقاطع فيه رمزية الفرس مع قيم الفروسية العربية، دون أن تفقد كل تجربة ملامحها الخاصة.
فالتبوريدة المغربية، بما تحمله من أبعاد جماعية وطقوس احتفالية ودقة في الأداء، تعكس تراكمات اجتماعية وثقافية ارتبطت بتاريخ القبائل والمناسبات الكبرى، وأصبحت من أبرز التعبيرات عن التراث المغربي الحي.
أما الفروسية العُمانية، فتستمد جزءاً من تميزها من ممارسات تقليدية حافظت على حضورها في المناسبات الوطنية والثقافية، ومن تجربة مؤسساتية سعت إلى تطوير مهارات الفرسان وتوسيع مجالات المشاركة الرياضية والدولية.
وليست المقارنة بين التجربتين بحثاً عن تفوق إحداهما على الأخرى، وإنما محاولة لفهم الكيفية التي استطاع بها بلدان عربيان الحفاظ على مكانة الخيل في مجتمعيهما، رغم التحولات العميقة التي طرأت على أنماط الحياة ووظائف الفروسية.
وهذا تحديداً ما يمنح مشاركة الخيالة السلطانية العُمانية بعدها الثقافي الأوسع. فالجمهور المغربي لا يستقبل مجرد وفد أجنبي، وإنما يتعرف على ملامح حضارة شقيقة عبر أحد أكثر عناصرها التراثية تعبيراً عن الهوية.
وتفتح هذه المشاركة أيضاً آفاقاً لتعاون يستحق الاستكشاف بين المؤسسات المعنية بالفروسية في البلدين، سواء تعلق الأمر بتبادل الخبرات في التربية والتدريب، أو حماية السلالات، أو تطوير السياحة المرتبطة بالخيل، أو تنظيم تظاهرات مشتركة تستثمر الرصيد الحضاري للمغرب وسلطنة عُمان.

الدبلوماسية العُمانية بالرباط حين تتحول الثقافة إلى جسر للتواصل
يصعب فصل هذه المشاركة عن الدينامية التي تعرفها العلاقات المغربية العُمانية، وعن الحضور الدبلوماسي لسفارة سلطنة عُمان بالرباط.
فالدبلوماسية الفاعلة لا تنحصر في المناسبات البروتوكولية، بل تمتد إلى المجالات الثقافية والمؤسساتية، وتعمل على توسيع مجالات التواصل بين البلدين وتقديم تراث كل منهما إلى جمهور الآخر.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة المشاركة الأولى للخيالة السلطانية العُمانية في معرض الجديدة بوصفها امتداداً لهذه الدينامية، من دون اختزالها في مبادرة دبلوماسية منفردة، إذ يستند حضور مؤسسة بهذا الحجم والرمزية إلى جهود تنظيمية ومؤسساتية متكاملة.
لكن قيمة الدبلوماسية النشطة تظهر، أساساً، في قدرتها على مواكبة هذه المبادرات وإعطائها الامتداد الإعلامي والثقافي والمؤسساتي الذي تستحقه.
فالسفير الذي يعمل على توطيد العلاقات بين بلدين تجمعهما روابط تاريخية متينة، لا يكتفي بتمثيل بلاده في اللقاءات الرسمية، وإنما يسهم في توسيع معرفة المجتمع المضيف بخصوصياتها، وفي تشجيع المؤسسات على استكشاف فرص تعاون قد لا تتصدر عادة أجندة العلاقات الثنائية.
ومن هنا، تبدو الفروسية مجالاً واعداً للدبلوماسية الثقافية، لأنها تتيح التواصل مع جمهور واسع، وتخاطب الذاكرة والوجدان، وتمنح العلاقات بين الدول مضموناً إنسانياً لا تستطيع البيانات السياسية وحدها توفيره.
والأهم أن هذه الحيوية الدبلوماسية تستحق أن تقاس، مستقبلاً، بمدى قدرتها على تحويل المبادرات المتفرقة إلى مشاريع مستدامة، وبرامج تعاون منتظمة، وشراكات تؤسس لاستمرارية تتجاوز الأشخاص والمناسبات.
من الحضور الرمزي إلى الشراكة المستدامة ماذا بعد الجديدة؟
إن المشاركة العُمانية الأولى في معرض الفرس للجديدة تستمد أهميتها من كونها تضع لبنة جديدة في مسار التعارف الثقافي بين المغرب وسلطنة عُمان، غير أن نجاحها الحقيقي ينبغي ألا يُختزل في حجم الاهتمام الذي ستثيره خلال أيام المعرض.
فالمشاركة الناجحة هي التي تترك أثراً بعد انتهاء التظاهرة، وتفتح أمام المؤسسات المعنية إمكانات جديدة للتعاون.
ومن المفيد، في هذا الإطار، التفكير في إرساء قنوات مباشرة بين الخيالة السلطانية العُمانية والمؤسسات المغربية المتخصصة في تربية الخيل والفروسية، بما يسمح بتبادل التجارب في مجالات التأهيل والتكوين وتنظيم العروض والمنافسات.
كما يمكن استكشاف إمكانات تطوير برامج ثقافية وسياحية مشتركة، تستثمر خصوصية التراث الفروسي في البلدين، وتمنح الزائر فرصة اكتشاف الفروسية باعتبارها مدخلاً إلى التاريخ والفنون والعادات الاجتماعية.
ولا تقل أهمية عن ذلك ضرورة إشراك الأجيال الشابة في هذه الدينامية، لأن صون التراث لا يتحقق بمجرد الاحتفاء بماضيه، وإنما بتوفير الشروط التي تجعل الشباب يقبلون على تعلمه وممارسته وتطويره.
ولعل شعار هذه الدورة، «الفرس في خدمة الإنسان»، يختصر جانباً مهماً من هذا التحدي، إذ يدعو إلى تجاوز النظرة الاحتفالية نحو تصور أوسع يجعل الفروسية مورداً للمعرفة والتربية والتشغيل والإبداع والتقارب بين الشعوب.
الجديدة تدعو زوارها إلى اكتشاف وجه آخر من عُمان
من يزور معرض الفرس للجديدة بحثاً عن جمال الخيول أو مهارة الفرسان، سيجد في المشاركة العُمانية مناسبة لاكتشاف جانب من التراث الثقافي لسلطنة ما زالت تحتفظ بعلاقة وثيقة مع موروثها، وتعمل على تقديمه إلى العالم بلغة تجمع بين الأصالة والتجدد.
وستكون هذه المشاركة فرصة للتعرف على الخيالة السلطانية، وعلى الخلفية الحضارية التي تستند إليها، وعلى ما تحمله الفروسية العُمانية من قيم ومهارات وتقاليد تستحق اهتمام الجمهور المغربي.
وبالنسبة إلى العائلات والشباب وعشاق الخيل، فإن زيارة المعرض تتجاوز متعة المشاهدة إلى اكتساب معرفة أوسع بالتنوع الثقافي الذي يمكن أن يجتمع حول الفرس، ذلك الكائن الذي رافق الإنسان في مختلف مراحل تاريخه، وظل حاضراً في الأدب والفنون والذاكرة الشعبية.
أما بالنسبة إلى المؤسسات والمهنيين، فإن اللقاء بالوفد العُماني يتيح فرصة لاستكشاف تجربة أخرى في مجال تتزايد أهميته الاقتصادية والرياضية والثقافية.
وتلك هي القيمة التي ينبغي أن يسعى إليها معرض الفرس للجديدة: ألا يكون مجرد موعد سنوي ناجح، وإنما مؤسسة ثقافية واقتصادية قادرة على بناء علاقات مستمرة مع تجارب دولية متنوعة.
في النهاية، لن تكون قيمة الحضور العُماني في الجديدة مرتبطة فقط بكونه يسجل مشاركة أولى للخيالة السلطانية في هذا الموعد المغربي البارز، وإنما بما يمكن أن يفتحه من مسارات جديدة أمام التعاون الثقافي والرياضي والمؤسساتي.
فبين المغرب وسلطنة عُمان رصيد من العلاقات التاريخية والقيم المشتركة، لكن هذا الرصيد يزداد قوة كلما وجد تعبيراً عنه في مبادرات عملية تقرب الشعبين وتوسع دائرة معرفتهما المتبادلة.
ولعل أجمل ما تحمله هذه المشاركة أن الفرس، الذي وحّد في الماضي بين الإنسان والأرض والتاريخ، يستطيع اليوم أن يصبح جسراً بين حضارتين، وأن يمنح العلاقات المغربية العُمانية لغة جديدة للتواصل، لا تحتاج إلى الكثير من الكلمات بقدر ما تحتاج إلى رؤية وإرادة واستمرارية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق