Non classé

مسقط… سكينة تصنع الهيبة

ثمة مدن تحتاج إلى وقت طويل كي تكشف عن شخصيتها، وثمة مدن تستقبلك منذ اللحظة الأولى بصورة جاهزة عن نفسها. أما مسقط، فتفعل شيئًا مختلفًا تمامًا؛ فهي لا تتعجل تعريف زائرها بها، ولا تسعى إلى انتزاع إعجابه بالمشهد الأول، بل تترك له أن يكتشفها ببطء، وأن يدرك مع توالي الأيام أن أكثر ما يميزها لا يوجد في معلم منفرد، ولا في مبنى استثنائي، ولا في واجهة عمرانية لامعة، وإنما في ذلك الانسجام العميق الذي يجمع المكان والإنسان والتاريخ والطبيعة في إيقاع واحد.
لهذا يصعب النظر إلى مسقط باعتبارها مجرد عاصمة سياسية وإدارية لسلطنة عُمان. فهي، في جوهرها، ترجمة مكانية لفلسفة بلد كامل؛ فلسفة لا ترى في القوة مرادفًا للضجيج، ولا في الحداثة ضرورة لمحو ما سبقها، ولا في الانفتاح تنازلًا عن الخصوصية. ومن هنا تحديدًا تبدأ فرادة المدينة: من قدرتها على أن تكون عاصمة معاصرة من دون أن تفقد ملامحها، وأن تتوسع من دون أن تتحول إلى كتلة عمرانية بلا ذاكرة، وأن تستقبل العالم من دون أن تعيد تشكيل نفسها لإرضائه.
من يقترب من مسقط للمرة الأولى يلاحظ قبل أي شيء آخر حضور الطبيعة في بنيتها. الجبال ليست خلفية بعيدة تحيط بالمدينة، وإنما عنصر أساسي في تشكيلها، والبحر ليس مجرد واجهة سياحية، بل امتداد تاريخي وجغرافي ارتبط بحياة العُمانيين وبعلاقتهم القديمة بالمحيط الهندي وشرق إفريقيا وآسيا. وبين الجبل والبحر نشأت مدينة لم تحاول إخضاع تضاريسها بالقوة، بل تعلمت كيف تتحرك داخلها، وكيف تجعل العمران يتكيف معها بدل أن يلغيها.

ولهذا لا يشعر الزائر في مسقط بذلك الصراع الذي تعرفه كثير من المدن الحديثة بين الطبيعة والإسمنت. المباني في معظمها لا تطارد السماء، والخط العمراني لا يقوم على استعراض الارتفاع، والألوان تبدو متقاربة ومنسجمة مع البيئة، بينما تتخلل الفضاءات المفتوحة والجبال المشهد الحضري بصورة تمنح المدينة اتساعًا بصريًا ونفسيًا في آن واحد. وليس الأمر مجرد اختيار جمالي؛ إنه يعكس تصورًا للمدينة يقوم على أن قيمة العمران لا تُقاس فقط بما يضيفه إلى المكان، بل كذلك بما يتركه منه قائمًا.
ومن هذا التوازن تنشأ السكينة التي تطبع مسقط. فالهدوء هنا ليس تفصيلًا سياحيًا صُنع لراحة الزائر، ولا قيمة تسويقية تروج لها الفنادق والمنتجعات، بل هو نتيجة طبيعية لطريقة تشكل المدينة ولإيقاع الحياة فيها. الشوارع الواسعة، انخفاض الكثافة العمرانية مقارنة بعواصم كثيرة، حضور الجبال والبحر، ونظافة المجال العام، كلها عناصر تسهم في خلق مناخ لا يشعر فيه الإنسان بأن المدينة تطارده أو تضغط عليه.
وهذه مسألة تتجاوز الراحة العابرة. فالمدن الكبرى الحديثة كثيرًا ما تدفع ثمن تطورها من قابلية العيش فيها. تتحول السرعة إلى قاعدة، والازدحام إلى علامة على الحيوية، والارتفاع إلى مقياس للتقدم، فيصبح الإنسان نفسه العنصر الأقل حضورًا في مدينة صُممت في الأصل من أجله. أما مسقط، فتبدو وكأنها اختارت منذ البداية معادلة أخرى: أن تتطور من دون أن تجعل الحياة اليومية ضحية لهذا التطور، وأن تبني حضورها من خلال التوازن لا من خلال الإفراط.
هذه الفلسفة العمرانية لا تنفصل عن تاريخ المدينة. ففي مطرح، على سبيل المثال، لا يحتاج الزائر إلى كثير من الشرح ليدرك أن البحر والتجارة والأسواق والجبال ليست عناصر متجاورة بالمصادفة. الميناء القديم والكورنيش وسوق مطرح وروائح اللبان والتوابل والفضة والمنسوجات كلها امتداد لذاكرة مدينة عاشت طويلًا على تماس مباشر مع العالم، لكنها لم تفقد هويتها وهي تنفتح عليه.
ومن هنا تكتسب مطرح أهميتها داخل مسقط؛ فهي لا تؤدي وظيفة الحي التاريخي الذي وُضع جانبًا ليصبح مقصدًا للزوار، وإنما تحتفظ بشيء من وظيفة الذاكرة الحية. السوق ما زال يتحرك، البحر ما زال حاضرًا، والقلاع لا تبدو كآثار معزولة عن المدينة، بل كعلامات على زمن لعب فيه الموقع العُماني دورًا كبيرًا في التجارة والملاحة والتواصل الحضاري.
ويمتد هذا الشعور من مطرح إلى مسقط القديمة، حيث قصر العلم والحصون والمتحف الوطني وغيرها من المعالم التي تجعل التاريخ جزءًا من المشهد الرسمي للدولة المعاصرة. وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية للعاصمة: الماضي لا يعيش فيها على هامش الحاضر، ولا يُستدعى فقط في المناسبات، وإنما يُدمج في صورة الدولة وفي هندسة المكان وفي تصور المجتمع لنفسه.
ولعل جامع السلطان قابوس الأكبر يقدم التعبير الأوضح عن هذه الفلسفة. فالجامع، على ما فيه من فخامة واتساع وثراء معماري، لا يترك لدى الزائر إحساسًا بالاستعراض. التناسق بين الأروقة والقباب والحدائق والنقوش ومساحات الضوء يجعل الفخامة فيه قائمة على الانسجام قبل الضخامة. وهنا يمكن فهم معنى الهيبة في مسقط: فهي لا تُبنى على المبالغة، بل على إحكام التفاصيل وعلى الثقة التي لا تحتاج إلى رفع الصوت.
وتأتي دار الأوبرا السلطانية مسقط لتؤكد المنطق نفسه في مجال مختلف. فهي مؤسسة ثقافية حديثة ومنفتحة على الفنون العالمية، لكنها لم تُصمم باعتبار الحداثة قطيعة بصرية مع المدينة. لغتها المعمارية تستلهم البيئة والثقافة العُمانية، فتبدو جزءًا من مسقط لا جسمًا مستوردًا زُرع فيها. وبذلك يتحول الانفتاح الثقافي من عملية استبدال للهوية إلى وسيلة لتوسيعها.
غير أن فهم مسقط من خلال عمرانها وحده يظل ناقصًا، لأن سر المدينة الحقيقي يكمن أيضًا في مجتمعها. فالهوية العُمانية ليست فيها خطابًا يرفع عند الحاجة، وإنما ممارسة يومية. تراها في اللباس، وفي تفاصيل المجالس، وفي الضيافة، وفي القهوة والتمر واللبان، وفي العلاقات الاجتماعية، وفي اللغة التي يحتفظ بها الناس، وفي أسلوب التواصل الذي يجمع الترحيب بالآخر مع وضوح الخصوصية.
وهنا تحديدًا يبدو الفارق بين هوية مطمئنة إلى نفسها وهوية تعيش في حالة دفاع دائم. فالعُماني في مسقط لا يبدو محتاجًا إلى إثبات هويته، لأنها ببساطة حاضرة في حياته. ولهذا يستطيع أن ينفتح على الآخر من دون خوف من الذوبان فيه. إنها هوية راسخة بما يكفي كي تستوعب الحداثة، وواثقة بما يكفي كي لا تجعل من الحفاظ على الموروث انغلاقًا على الماضي.
وهذه الثقة الثقافية تساعد في تفسير طبيعة التطور العُماني عمومًا. فمسقط لم تُبنَ وفق منطق القفز من مرحلة إلى أخرى بأقصى سرعة ممكنة، وإنما وفق مسار أكثر تدرجًا، يسعى إلى تحديث البنية والمؤسسات والفضاءات مع الحفاظ على استمرارية المجتمع. ولذلك لا يشعر الزائر بأنه أمام مدينتين متعارضتين، إحداهما قديمة والأخرى حديثة، بل أمام مدينة تحاول باستمرار أن تمد جسورًا بين زمنين.
حتى الفخامة في مسقط تكتسب معناها من هذا التصور. فهي لا تلاحق الزائر في كل زاوية، ولا تتحول إلى إعلان دائم عن الثراء، وإنما تظهر في جودة المكان، وفي رحابة المساحات، وفي العناية بالحدائق والشواطئ والمنتجعات، وفي الطريقة التي تتعامل بها المنشآت الراقية مع الطبيعة المحيطة بها. وكثير من المنتجعات الساحلية، مثلًا، لا تبدو في مواجهة الجبل والبحر بقدر ما تبدو محاولة للاندماج فيهما.
غير أن الصورة العمرانية، مهما بلغت من الجمال، لا تفسر وحدها الإحساس الذي تتركه مسقط. فهناك بعد إنساني يلتقطه الزائر سريعًا في سلوك الناس وفي نوعية التعامل داخل الفندق والسوق والمطعم والطريق والمؤسسات. قدر من الهدوء والاحترام والوقار يجعل التجربة اليومية أقل توترًا ويمنح المجال العام طابعًا خاصًا.
ولا يعني ذلك رسم صورة مثالية أو تجاهل ما تعرفه كل المجتمعات والمدن من تفاوتات وتحديات، وإنما الإشارة إلى ملمح اجتماعي يصعب إنكاره: أن المدينة لا تبني راحتها على الحجر وحده، وإنما يشارك الإنسان في صنعها. فالمدينة قد تكون جميلة ومزدهرة، لكنها تصبح مرهقة إذا فقد فضاؤها العام الاحترام والطمأنينة. وقد تكون شديدة التنظيم لكنها باردة، أو متقدمة لكنها عصبية. أما مسقط، فتحاول أن تجمع بين التنظيم والدفء، وبين الحضور والراحة، وبين هيبة العاصمة وإنسانية المدينة.
ومن هنا يصبح اختلافها عن عدد من العواصم العربية والخليجية اختلافًا في معيار النجاح ذاته، لا مجرد اختلاف في الشكل. فهي لا تدخل سباق الأبراج، ولا تجعل أضخم مركز تجاري أو أعلى بناية دليلًا وحيدًا على الحداثة، ولا تقيس قدرتها على جذب الزائر بكمية الإبهار التي تستطيع إنتاجها. معيارها أكثر هدوءًا وأصعب تحقيقًا: أن تبقى مدينة قابلة للحياة وهي تكبر، وأن تتقدم من دون أن تفقد شخصيتها، وأن تنفتح من دون أن تصبح نسخة من مدن أخرى.
ومع استمرار سلطنة عُمان في مسار «رؤية عُمان 2040»، ستواجه مسقط بلا شك تحديًا دقيقًا: كيف تستوعب مزيدًا من الاستثمار والتوسع السكاني والسياحي والاقتصادي من دون أن تفقد التوازن الذي صنعت منه خصوصيتها؟ فالمشكلة في المدن الناجحة أن نجاحها نفسه قد يصبح مصدر ضغط عليها. ازدياد الحركة والاستثمار والسياحة يمكن أن يغير طبيعة المكان إذا لم يبقَ التخطيط وفيًا للروح التي صنعت جاذبيته منذ البداية
ولهذا فإن مستقبل مسقط لا يتوقف فقط على عدد المشاريع التي ستنجز فيها، بل على قدرتها على حماية فلسفتها العمرانية والاجتماعية وهي تدخل مرحلة جديدة من التنمية. القيمة الحقيقية للمدينة ليست في أن تنافس عواصم أخرى بلغتها، وإنما في أن تثبت أن ثمة طريقًا آخر إلى العالمية، طريقًا لا يقوم على التشابه، بل على تحويل الخصوصية نفسها إلى مصدر قوة.
بهذا المعنى، لا تبدو مسقط مدينة تحاول اللحاق بأحد. إنها تعرف موقعها، وتدرك أن قوتها تكمن تحديدًا في أنها لا تشبه غيرها. الجبال التي تحرس أفقها، والبحر الذي يفتحها على العالم، والبياض الذي يغلب على عمرانها، والأسواق التي تحتفظ بذاكرة التجارة القديمة، والمساجد والقلاع والفضاءات الثقافية المعاصرة، كلها لا تعمل منفردة، وإنما تتجمع لتشكّل شخصية واحدة.
ولهذا أيضًا لا تُختصر تجربة مسقط في زيارة جامع أو سوق أو متحف أو شاطئ. فهذه المعالم تمنح الزائر صورته الأولى عنها، أما معناها الحقيقي فيتكون ببطء من تفاصيل الإقامة نفسها؛ من طريقة حركة المدينة، ومن علاقتها بالوقت، ومن هدوء مجتمعها، ومن حضور الهوية من دون استعراض، ومن ذلك الشعور الغريب بأن العاصمة، على الرغم من مكانتها السياسية والاقتصادية، لا تحاول أن تفرض نفسها عليك.
وهنا يكمن سر مسقط وربما سر الهيبة التي تصنعها سكينتها. فهي لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها كي تثبت حضورها، لأنها بنت هذا الحضور على شيء أكثر رسوخًا من الضجيج: على مدينة تعرف ماذا تريد أن تكون، وعلى مجتمع لا يخشى هويته، وعلى تاريخ لا يُحبس في المتاحف، وعلى حداثة لم تُجبر المكان على التنكر لذاكرته.
يأتي الزائر إلى مسقط باحثًا عن عاصمة، فيجد أمامه تجربة أوسع من المدينة ذاتها؛ تجربة تقول إن التقدم لا يشترط محو الذاكرة، وإن الانفتاح لا يستدعي التخلي عن الذات، وإن الفخامة يمكن أن تكون متزنة، وإن القوة قد تظهر أحيانًا في أكثر صورها هدوءًا.
ولذلك تبقى مسقط في الذاكرة بعد مغادرتها، لا لأنها صرخت كي تُسمع، ولا لأنها بالغت كي تُرى، بل لأنها استطاعت أن تحقق ما لا تحققه مدن كثيرة: أن تجعل السكينة نفسها صورة من صور الهيبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق