Non classé

المغرب ومصر… شراكة التاريخ ورهان المستقبل في زمن التحولات

:
يكتسي الاحتفاء بالعيد الوطني لجمهورية مصر العربية، الذي يخلّد ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو، دلالة تتجاوز حدود المناسبة الوطنية لتستحضر مسار دولة عريقة أسهمت، عبر تاريخها الحديث، في صياغة جانب مهم من التحولات السياسية والثقافية والاستراتيجية التي عرفها العالم العربي. إنها مناسبة لاستحضار المكانة التي تحتلها مصر في الوجدان العربي، والتوقف عند ما راكمته من حضور إقليمي وتأثير حضاري، كما تشكل فرصة لإبراز عمق العلاقات التي تجمعها بالمملكة المغربية، وهي علاقات لم تكن يومًا وليدة ظرف سياسي عابر، بل قامت على أسس تاريخية وحضارية وإنسانية ممتدة، وتعززت مع مرور الزمن بروابط سياسية وثقافية واقتصادية متينة.
يجمع المغرب ومصر انتماء حضاري مشترك وذاكرة عربية وإسلامية غنية، كما يلتقي البلدان في إدراكهما لأهمية الدولة الوطنية ودورها في حماية الاستقرار وصون المؤسسات ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية. ورغم البعد الجغرافي الفاصل بين أقصى غرب العالم العربي وشرقه، فإن المسافة لم تكن يومًا عائقًا أمام بناء علاقات اتسمت، في مجملها، بالاحترام المتبادل والتقدير العميق للخصوصيات الوطنية لكل بلد.
وقد أسهم التواصل العلمي والثقافي، منذ فترات تاريخية مبكرة، في بناء جسور ثابتة بين الشعبين. فقد شكّل الأزهر الشريف وجهة لعدد من العلماء والطلبة المغاربة، فيما كان للمدارس العلمية المغربية وإسهامات علمائها حضور معتبر في المشرق العربي. كما ظلت الثقافة المصرية، بأدبها ومسرحها وسينماها وموسيقاها، حاضرة بقوة في الذاكرة المغربية، في حين وجد الإبداع المغربي مكانه داخل الفضاء الثقافي المصري والعربي، بما يعكس تفاعلاً إنسانيًا يتجاوز العلاقات الرسمية ليصل إلى عمق المجتمعين.
وعلى المستوى السياسي، ارتكزت العلاقات المغربية المصرية على التشاور والتنسيق بشأن عدد من القضايا العربية والإقليمية والدولية، وعلى الحرص المتبادل على دعم الأمن والاستقرار واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية. وقد حافظ البلدان على قنوات الحوار المفتوحة، انطلاقًا من إدراكهما لأهمية العمل العربي المشترك، وضرورة تجاوز الخلافات الظرفية التي قد تفرضها التحولات الإقليمية أو تباين المقاربات تجاه بعض الملفات.
وتستمد العلاقات بين الرباط والقاهرة قوتها من الرعاية التي تحظى بها على أعلى مستوى، ومن الإرادة المشتركة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في تعزيزها وتطويرها بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين. فالبلدان يمثلان دولتين محوريتين داخل محيطهما العربي والإفريقي والمتوسطي، ويتمتع كل منهما بثقل سياسي واستراتيجي يتيح له الإسهام في بناء توازنات أكثر استقرارًا داخل المنطقة.
وتؤدي مصر دورًا مركزيًا في الشرق الأوسط، بحكم موقعها الجغرافي وتحكمها في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، فضلًا عن ثقلها الديمغرافي والعسكري والثقافي. في المقابل، يحتل المغرب موقعًا استراتيجيًا عند ملتقى إفريقيا وأوروبا والعالم الأطلسي، ويقدم نموذجًا سياسيًا واقتصاديًا يقوم على الاستقرار والانفتاح وتنويع الشراكات. ومن شأن التكامل بين الموقعين والرؤيتين أن يمنح العلاقات الثنائية بعدًا يتجاوز التعاون التقليدي، نحو شراكة قادرة على التأثير في محيطها العربي والإفريقي.
ولعل أحد أبرز المجالات التي يمكن أن تمنح هذه العلاقة زخمًا إضافيًا يتمثل في التعاون الاقتصادي والاستثماري. فرغم وجود مبادلات تجارية واستثمارات متبادلة، فإن حجمها لا يزال دون الإمكانات الحقيقية للبلدين، ودون مستوى العلاقات السياسية والثقافية التي تجمعهما. ويملك المغرب ومصر قاعدتين اقتصاديتين متنوعتين، وخبرات مهمة في مجالات الصناعة، والزراعة، والسياحة، والبنيات التحتية، والطاقة، والخدمات المالية، والاتصالات، والاقتصاد الرقمي.
ويمكن للقطاع الخاص في البلدين أن يضطلع بدور أكبر في تطوير هذه العلاقات، من خلال إقامة مشاريع مشتركة، وتبادل الخبرات، واستثمار فرص الولوج إلى الأسواق الإقليمية. فالمغرب يمكن أن يشكل بوابة أمام الشركات المصرية نحو غرب إفريقيا والأسواق الأطلسية، في حين تتيح مصر للفاعلين الاقتصاديين المغاربة فرصًا واعدة في الشرق الأوسط وشرق إفريقيا، فضلًا عن موقعها المحوري داخل سلاسل التجارة الدولية.
كما أن التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي تفرض على البلدين توسيع مجالات التعاون لتشمل الأمن الغذائي، والصناعات الدوائية، والطاقة المتجددة، وتدبير المياه، والتحول الرقمي، والنقل البحري، والخدمات اللوجستية. ولم تعد قوة العلاقات الثنائية تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة أو اللقاءات الرسمية، بل بقدرتها على إنتاج مشاريع ملموسة تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين وتخلق فرص العمل وتدعم التنمية المستدامة.
ويشكل التعاون الإفريقي مجالًا واعدًا آخر أمام الرباط والقاهرة. فالمغرب راكم تجربة متقدمة في التعاون جنوب–جنوب، من خلال استثماراته ومشاريعه التنموية في عدد من البلدان الإفريقية، كما تمتلك مصر تاريخًا طويلًا من الحضور السياسي والثقافي والاقتصادي داخل القارة. ويمكن للبلدين تنسيق جهودهما في مجالات البنية التحتية، والفلاحة، والتكوين، والصحة، والطاقة، بما يسهم في دعم التنمية الإفريقية ويعزز حضور الفاعلين العرب داخل القارة.
ولا يمكن الحديث عن العلاقات المغربية المصرية من دون التوقف عند البعد الثقافي والإنساني، الذي يظل من أكثر أبعادها رسوخًا. فالشعبان يتقاسمان روابط وجدانية عميقة، تظهر في التفاعل مع الإنتاج الفني والأدبي، وفي الحضور المتبادل للمثقفين والإعلاميين والفنانين، وفي صورة كل بلد داخل المخيال الشعبي للآخر. غير أن الحفاظ على هذا الرصيد يقتضي تجديد أدوات التواصل، وتشجيع الإنتاجات المشتركة، وتنشيط التبادل الجامعي والأكاديمي، وتعزيز حضور الشباب في مختلف المبادرات الثنائية.
كما يظل التعاون في المجال الديني والفكري ذا أهمية خاصة في ظل ما يواجهه العالم من موجات تطرف وانغلاق واستغلال للدين في الصراعات السياسية. فالبلدان يتقاسمان تقاليد دينية عريقة تقوم على الوسطية والاعتدال، ويمكنهما تطوير التعاون في مجال تكوين الأئمة، وتجديد الخطاب الديني، ومحاربة الفكر المتطرف، وترسيخ قيم التسامح والتعايش.
وعلى المستوى الإقليمي، تلتقي الرؤيتان المغربية والمصرية في التأكيد على ضرورة حماية الدول الوطنية، واحترام مؤسساتها، وتفادي الانزلاق نحو الفوضى والتقسيم. كما يتقاسم البلدان الاهتمام بالقضية الفلسطينية، ويدعوان إلى حل عادل ودائم يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويضع حدًا للصراع، وفق الشرعية الدولية وحل الدولتين.
غير أن قوة العلاقات لا تعني غياب التحديات أو اختلاف وجهات النظر في بعض المحطات. فالعلاقات الناضجة لا تُبنى على التطابق الكامل، بل على القدرة على إدارة الاختلاف بالحوار، وتغليب المصالح الاستراتيجية، وعدم السماح للقضايا الظرفية بأن تؤثر في الرصيد التاريخي والإنساني المشترك. ومن هذه الزاوية، أظهرت العلاقات المغربية المصرية قدرة واضحة على تجاوز لحظات التباين والحفاظ على قنوات التواصل والتعاون.
إن الاحتفاء بالعيد الوطني المصري يشكل فرصة لتوجيه التحية إلى الشعب المصري، واستحضار ما قدمته مصر للحضارة العربية من عطاء سياسي وفكري وثقافي، لكنه يمثل أيضًا مناسبة للتطلع إلى مستقبل العلاقات المغربية المصرية. فالتحديات التي تواجه العالم العربي اليوم، من أزمات اقتصادية واضطرابات أمنية وتحولات جيوسياسية متسارعة، لم تعد تسمح بالاكتفاء بعلاقات بروتوكولية أو تعاون محدود، بل تستدعي بناء شراكات واقعية وفعالة، تقوم على المصالح المتبادلة والرؤية بعيدة المدى.
ويملك المغرب ومصر جميع المقومات التي تؤهلهما لتطوير نموذج متميز من التعاون العربي: شرعية تاريخية، ومؤسسات راسخة، وموقعان استراتيجيان، ورأسمال بشري وثقافي كبير، وقدرة على التحرك داخل دوائر عربية وإفريقية ومتوسطية ودولية متعددة. غير أن ترجمة هذه المقومات إلى نتائج ملموسة تحتاج إلى مزيد من التنسيق، وتفعيل الاتفاقيات، وتشجيع الاستثمار، وتوسيع التبادل التجاري والثقافي والعلمي.
وفي زمن تعاد فيه صياغة موازين القوى وتتغير فيه طبيعة التحالفات الدولية، تبدو العلاقات المغربية المصرية مدعوة إلى الانتقال من استثمار رصيد الماضي إلى صناعة مستقبل مشترك. فالتاريخ يمنح هذه العلاقة عمقها، لكن الإرادة السياسية والمشاريع العملية هما ما يمنحانها القوة والاستمرارية.
ومن هنا، فإن العيد الوطني لجمهورية مصر العربية ليس مجرد موعد للاحتفاء بذكرى تاريخية راسخة، بل مناسبة لتجديد التقدير لدولة لعبت ولا تزال دورًا محوريًا في محيطها، وللتأكيد على أن العلاقات المغربية المصرية تظل إحدى الركائز المهمة للتعاون العربي القائم على الاعتدال والاستقرار والاحترام المتبادل. إنها علاقة تمتلك من عناصر القوة ما يجعلها قادرة على التحول إلى شراكة استراتيجية أكثر طموحًا، تليق بتاريخ البلدين، وتستجيب لانتظارات الشعبين، وتسهم في بناء فضاء عربي وإفريقي أكثر توازنًا واستقرارًا وازدهارًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق