Non classé
من بيروقراطية المساطر إلى نجاعة التدبير: هل ينجح المغرب في إعادة هندسة تسليم الوثائق الطرقية؟

في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها تدبير المرفق العمومي بالمغرب، تبرز مبادرة عصرنة فرز وتوزيع بطائق رخص السياقة وشهادات تسجيل المركبات كخطوة لافتة نحو إعادة تنظيم واحدة من أكثر الخدمات الإدارية ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين. هذه الخطوة، التي انطلقت من مركز الفرز ببوسكورة، لا تعكس مجرد تحسين تقني، بل تشير إلى توجه أعمق يروم تبسيط المساطر وتقليص آجال الانتظار.
لقد ظل مسار تسليم هذه الوثائق، لسنوات طويلة، معقداً ومتعدد المراحل، إذ كانت الوثيقة تنتقل بين مصالح مختلفة قبل أن تصل إلى صاحبها، وهو ما كان يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخيرات ملحوظة وصعوبات في التتبع. أما اليوم، فيبدو أن هذا النموذج بصدد التغيير، من خلال اعتماد تنظيم جديد يقوم على تجميع الوثائق في مركز واحد مباشرة بعد طبعها، ثم فرزها باستعمال وسائل تقنية حديثة، قبل توزيعها بشكل مباشر على شبكة واسعة من الوكالات.
هذا التحول يقوم على تقليص عدد المراحل التي تمر منها الوثيقة، وهو ما من شأنه الحد من الأخطاء وتسريع عملية التسليم. كما أنه يندرج ضمن توجه أوسع يسعى إلى جعل الإدارة أكثر قرباً من المواطن، ليس فقط من حيث الولوج إلى الخدمات، بل أيضاً من حيث جودة هذه الخدمات وسرعة تقديمها.
الأرقام المعلنة تعكس حجم هذا الرهان، إذ يُنتظر أن تشمل هذه العملية أزيد من مليون ونصف وثيقة خلال السنة الجارية، مع إمكانية مضاعفة هذا العدد خلال السنوات المقبلة. والأهم من ذلك، أن مدة إيصال الوثائق إلى الوكالات لن تتجاوز في المتوسط اثنتين وسبعين ساعة، وهو ما سيمكن من تقليص مدة انتظار المرتفقين بشكل كبير، قد يصل إلى أكثر من شهرين.
غير أن أهمية هذا المشروع لا تقتصر على تسريع الإجراءات، بل تمتد إلى إعادة بناء الثقة في الإدارة العمومية. فالمواطن، الذي كان يواجه في السابق مساطر معقدة وانتظارات طويلة، أصبح اليوم ينتظر خدمة أكثر سلاسة ووضوحاً. ومن هنا، فإن نجاح هذه المبادرة يقاس بمدى قدرتها على الاستجابة الفعلية لهذه التطلعات.
في المقابل، يطرح هذا التحول مجموعة من التحديات التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار. فاعتماد مركز واحد للفرز يتطلب مستوى عالياً من التنظيم والتنسيق، كما أن تزايد عدد الوثائق مستقبلاً يفرض ضرورة ضمان استمرارية النجاعة وعدم وقوع اختناقات في المعالجة أو التوزيع. إضافة إلى ذلك، يبقى تكامل هذه العملية مع باقي الخدمات الرقمية عاملاً أساسياً لضمان تجربة متكاملة للمواطن.
إن هذه الخطوة، رغم ما تحمله من وعود، تظل جزءاً من مسار إصلاحي أوسع، يهدف إلى تحديث الإدارة العمومية وجعلها أكثر فعالية. وهي في هذا الإطار تعكس إرادة واضحة للانتقال من إدارة تعتمد على تعقيد المساطر إلى إدارة تركز على جودة الخدمة وسرعة الإنجاز.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستنجح هذه المبادرة في تحقيق التحول المنشود بشكل مستدام، أم أنها ستظل تجربة تحتاج إلى مزيد من التطوير والتكامل؟
في انتظار ما ستسفر عنه الممارسة، يظل الأكيد أن لحظة تسليم الوثيقة لم تعد مجرد إجراء إداري بسيط، بل أصبحت معياراً حقيقياً يقاس به أداء الإدارة ومدى قدرتها على خدمة المواطن بكفاءة ونجاعة.


