Non classé
حين تدخل التكنولوجيا إلى التعاونيات: هل نحن أمام إصلاح صامت… أم وهم رقمي أنيق؟

ليس من السهل معارضة مشروع يُقدَّم باسم “الشمول المالي” و“التحديث” و“تقليص الاعتماد على النقد”. فهذه مفاهيم تبدو، للوهلة الأولى، بديهية في عالم يتجه بثبات نحو الرقمنة. غير أن قوة الخطاب لا تعني بالضرورة قوة الواقع. وإطلاق مشروع الأداء الإلكتروني لفائدة التعاونيات، كما ورد في البلاغ الرسمي، يضعنا أمام مفارقة دقيقة: بين طموح مؤسساتي مشروع، وواقع ميداني أكثر تعقيدًا مما توحي به اللغة التقنية المصقولة.
في جوهره، يحمل هذا المشروع وعدًا بتغيير عميق في بنية الاقتصاد التعاوني، عبر إدماجه في منظومة مالية حديثة، قوامها الشفافية، وتتبع العمليات، وإمكانية الولوج إلى أدوات تمويل جديدة. فالتعاونية التي تنتقل من النقد إلى الأداء الإلكتروني لا تغيّر فقط وسيلة الدفع، بل تغيّر علاقتها بالزمن المالي: من العفوية إلى التوثيق، من الارتجال إلى الأرشفة، ومن النشاط غير المرئي إلى الفاعل القابل للتقييم والمواكبة. هذه قفزة نوعية، لو تحققت فعلًا، لكانت مدخلًا لإعادة تعريف دور التعاونيات داخل الاقتصاد الوطني.
لكن هنا بالضبط ينبغي التوقف. لأن الانتقال من الإمكان إلى الواقع لا يتم بقرار إداري، ولا بجهاز يوضع فوق طاولة عرض. فالسؤال الذي يجب أن يطرح بإلحاح ليس: “ما الذي نريد تحقيقه؟” بل: “هل البيئة التي نُنزّل فيها هذا الطموح قادرة على احتضانه؟”. هذا السؤال وحده كفيل بنقل النقاش من دائرة الحماس إلى دائرة المسؤولية.
أول ما يصطدم به هذا المشروع هو هشاشة ما يمكن تسميته بـ“الثقافة الرقمية الإنتاجية”. فالتعاونيات، خصوصًا في الأوساط القروية، لم تُبنَ تاريخيًا على منطق الأنظمة، بل على منطق العلاقات المباشرة، والثقة الشخصية، والتداول النقدي السريع. إدخال الأداء الإلكتروني في هذا السياق لا يعني فقط إضافة أداة، بل يعني تفكيك نمط كامل من الممارسة. وهنا لا يكفي التكوين التقني، بل نحن أمام تحول ذهني وسلوكي يتطلب زمنًا، ومرافقة دقيقة، وفهمًا عميقًا لخصوصيات الفاعلين. من دون ذلك، سيظل الجهاز غريبًا عن السياق، مهما بدا متطورًا.
ثم يأتي سؤال البنية التحتية، الذي غالبًا ما يتم تجاوزه في الخطاب الرسمي. لأن الأداء الإلكتروني لا يعمل في الفراغ، بل يحتاج إلى شبكة مستقرة، وخدمات بنكية قريبة، وصيانة تقنية مستمرة. وفي غياب هذه الشروط، يتحول الجهاز إلى رمز أكثر منه أداة. وهنا تظهر المفارقة: قد تنجح التجربة داخل فضاء منظم كالمعرض الدولي للفلاحة، لكنها تتعثر بمجرد العودة إلى الواقع اليومي، حيث لا توجد نفس الشروط، ولا نفس الكثافة، ولا نفس الدعم المؤقت.
غير أن المعضلة الأكثر حساسية تبقى مسألة الثقة. فالثقة ليست معطى تقنيًا، بل بناء اجتماعي معقد. هل تثق التعاونية في أن النظام الرقمي سيحمي مصالحها؟ هل يثق الزبون في أن أداءه الإلكتروني لن يعرّضه لمشاكل أو أعطال؟ وهل يثق الطرفان في أن هذا التحول لن يكون مدخلًا لالتزامات جديدة تفوق قدرتهما؟ هذه الأسئلة، رغم بساطتها الظاهرة، هي التي تحسم مصير أي مشروع رقمي. لأن الناس لا يرفضون التكنولوجيا لجهلهم بها فقط، بل أحيانًا لعدم اطمئنانهم لنتائجها.
ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي المباشر. فكل تحول رقمي له كلفة، حتى وإن لم تُعلن بشكل صريح. هناك عمولات، وصيانة، وتحديثات، وربما استثمارات إضافية في التكوين أو التنظيم. فهل التعاونية الصغيرة، التي تشتغل بهوامش محدودة، قادرة على استيعاب هذه الأعباء؟ أم أننا أمام انتقال قد يزيد الضغط عليها بدل أن يخففه؟ هنا يصبح الحديث عن “الشمول المالي” بحاجة إلى تدقيق: هل هو إدماج حقيقي، أم إدخال قسري في منظومة قد لا تكون مهيأة بالكامل لاحتضان هذه الفئة؟
ثم إن توقيت ومكان إطلاق المشروع يطرحان سؤالًا مشروعًا. فاختياره أن يرى النور داخل المعرض الدولي للفلاحة يمنحه قوة رمزية وإشعاعًا إعلاميًا، لكنه في الوقت نفسه يضعه داخل سياق استثنائي. المعرض ليس الحياة اليومية للتعاونيات، بل هو لحظة مكثفة، منظمة، ومؤقتة. النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد الأجهزة الموزعة، بل بعدد العمليات المنجزة بعد انتهاء المعرض، وبعدد التعاونيات التي ستواصل الاستعمال حين تختفي الكاميرات ويهدأ الزخم.
ومع ذلك، فإن النقد هنا لا يستهدف الفكرة، بل طريقة تنزيلها. لأن الأداء الإلكتروني، إذا تم إدماجه ضمن رؤية شمولية، يمكن أن يكون رافعة حقيقية. لكنه يحتاج إلى ما هو أعمق من التجريب: يحتاج إلى سياسة مواكبة، إلى تحفيزات ملموسة، إلى تبسيط إداري، وإلى شراكة فعلية مع الفاعلين على الأرض، لا مجرد استهدافهم كمستفيدين. الرقمنة لا تنجح عندما تُفرض، بل عندما تُفهم، وتُجرَّب، وتُقتنع بها الأطراف المعنية.
في النهاية، نحن أمام لحظة اختبار. ليس فقط لاختبار تقنية جديدة، بل لاختبار قدرة السياسات العمومية على الانتقال من منطق الإعلان إلى منطق الأثر. فإما أن يتحول هذا المشروع إلى بداية مسار يعيد رسم علاقة التعاونيات بالاقتصاد الرسمي، أو أن يبقى تجربة أنيقة تُضاف إلى أرشيف المبادرات التي بدأت قوية وانتهت بصمت.
ويبقى السؤال مفتوحًا، وربما مقلقًا: هل نحن بصدد بناء اقتصاد تعاوني رقمي قادر على الصمود والمنافسة، أم أننا نكتفي بإضفاء لمسة عصرية على بنية ما زالت تقليدية في العمق؟ الجواب لن تقدمه البلاغات، بل ستكشفه الأيام… في الأسواق القروية، لا في أروقة المعارض.


