
في زمنٍ تكافح فيه الثقافة أحياناً للحفاظ على مكانتها أمام الإيقاع المتسارع للعالم المعاصر، تبرز بعض المبادرات الفنية لتؤكد بقوة أن الفن لا يزال واحداً من آخر الفضاءات القادرة على التقريب بين الشعوب، وفتح آفاق الوعي، وإقامة حوار بين الأحاسيس والرؤى الإنسانية بعيداً عن الحدود الجغرافية والسياسية. وفي هذا السياق، يندرج الملتقى الفني الذي أطلقته الفنانة التشكيلية المغربية أحلام المسفر ضمن دينامية ثقافية نادرة، تتحول فيها الإبداعية الفنية إلى لغة كونية في خدمة التبادل الإنساني والثقافي.
وفي فضاء يفيض بالسكينة والإلهام، لا يقتصر هذا الحدث على كونه معرضاً فنياً أو سلسلة من العروض التشكيلية، بل يعكس رؤية متكاملة للثقافة باعتبارها فضاءً للحوار والتلاقي وتبادل الخيال الإبداعي بين الشعوب. ومن خلال الشغف الكبير الذي تقود به أحلام المسفر هذه المبادرة، يتأكد أيضاً بروز مقاربة جديدة للعمل الثقافي بالمغرب؛ مقاربة أكثر انفتاحاً وإنسانية، وأكثر ارتباطاً بروح التبادل الثقافي الدولي.
وتكتسي دورة سنة 2026 بعداً خاصاً مع اختيار والونيا-بروكسيل ضيفَ شرف لهذه التظاهرة الفنية. وهو اختيار يحمل دلالات عميقة، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها هذا الفضاء الثقافي الأوروبي داخل المشهد الفرنكفوني العالمي. فمن خلال إرثه الأدبي الغني، ودعمه المتواصل للإبداع المعاصر، والتزامه الراسخ بتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية، استطاعت والونيا-بروكسيل أن تبني على امتداد السنوات هوية ثقافية متفردة، قائمة على قيم الانفتاح والتنوع والحوار بين مختلف التعبيرات الفنية.
إن حضور والونيا-بروكسيل في هذا الملتقى الفني بالمغرب يتجاوز كثيراً البعد البروتوكولي أو الرمزي، ليجسد حيوية الروابط الثقافية بين المملكة المغربية وهذا الفضاء الأوروبي الفرنكفوني، كما يعكس إرادة مشتركة لجعل الفن أرضية للتقارب بين المجتمعات. وفي عالم يشهد تصاعد النزعات الانغلاقية والانقسامات الثقافية، فإن اجتماع فنانين مغاربة ومبدعين قادمين من والونيا-بروكسيل داخل فضاء واحد للإبداع يحمل رسالة قوية مفادها أن الثقافة قادرة على التوحيد أكثر مما هي مجال للاختلاف والانقسام.
كما يسلط هذا التكريم الضوء على ثراء العلاقات الثقافية التي نُسجت عبر سنوات طويلة بين المغرب وبلجيكا الفرنكفونية. فبعيداً عن الأطر الرسمية، تشكلت هذه الروابط من خلال تاريخ إنساني كثيف صنعته الجاليات، والتعاون الجامعي، والمهرجانات، والإقامات الفنية، ومختلف المبادرات التي ساهمت في بناء جسور حقيقية بين الضفتين. ويبدو الفن هنا امتداداً طبيعياً لهذا القرب الثقافي والإنساني العميق.
ويعيد هذا الملتقى أيضاً التذكير بالحاجة الملحّة اليوم إلى فضاءات فنية تتنفس بعيداً عن المنطق التجاري والإعلامي الصرف. فمن خلال اختيار فضاء بعيد عن المراكز الحضرية الكبرى التقليدية، يمنح الحدث للتجربة الفنية بعداً أكثر صدقاً وحميمية وإنسانية، ويعيد وضع العمل الفني والفنان والإحساس الجمالي في قلب التجربة الثقافية الحقيقية.
ومن خلال هذه المبادرة، تؤكد أحلام المسفر التزامها المستمر بثقافة حية ومفتوحة، قادرة على الجمع بين الفنانين المخضرمين والمواهب الصاعدة والفاعلين الثقافيين القادمين من خلفيات مختلفة. كما يعكس مسارها وفاءً نادراً لفكرة الفن المنفتح على الآخر، والمتجذر في القضايا الإنسانية والواقعية.
وعلى نطاق أوسع، يفتح هذا الحدث نقاشاً جوهرياً حول موقع الثقافة داخل المجتمعات المعاصرة. فرغم الغنى الهائل الذي يزخر به المغرب على المستوى الفني والإبداعي، لا يزال القطاع الثقافي يتحرك في كثير من الأحيان بإمكانات محدودة، لكن بطاقة شغف استثنائية. ومع ذلك، يظل الفن رافعة أساسية للتنمية الإنسانية، ولإنتاج الفكر النقدي، ولتعزيز إشعاع الأمم وحضورها الحضاري.
ومن خلال جعل والونيا-بروكسيل ضيف شرف دورة 2026، يؤكد هذا الملتقى قناعة راسخة مفادها أن الثقافة تظل اليوم واحدة من أقوى أدوات الحوار بين الشعوب. فحيث تعجز السياسة أحياناً عن بناء الجسور، يواصل الفن خلق فضاءات للقاء والإصغاء والتفاهم المتبادل. وربما تكمن هنا القوة الحقيقية لهذه التظاهرة: التذكير بأن الإبداع الفني لا يزال، أكثر من أي وقت مضى، شكلاً راقياً من أشكال الدبلوماسية الإنسانية.



