Non classé
بلامين تزولوف… حين تُقاس الدبلوماسية بما تتركه من جسور لا بما تعقده من لقاءات

ليست الدبلوماسية الحقيقية تلك التي تصنع الضجيج أو تتغذى على كثرة المناسبات والصور، بل هي ذلك العمل الهادئ الذي يراكم الثقة بصبر، ويبني جسوراً تبقى قائمة حتى بعد انقضاء المأموريات وتغيّر الوجوه. ومن هذا المنظور، تبدو العلاقات المغربية البلغارية نموذجاً لواحدة من الشراكات التي نمت بعيداً عن الأضواء، لكنها استطاعت، بفضل الاستمرارية وحسن التدبير، أن ترسخ أسس تعاون متين يزداد نضجاً عاماً بعد آخر.
ومع اقتراب انتهاء مهمة سفير جمهورية بلغاريا لدى المملكة المغربية، بلامين تزولوف، تبرز مناسبة للتأمل في المسار الذي قطعته العلاقات الثنائية، ليس من باب تقييم الأشخاص، وإنما لاستحضار ما بلغته هذه العلاقة من مستوى يؤهلها لمرحلة جديدة أكثر طموحاً.
فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وصوفيا، حرص البلدان على ترسيخ حوار سياسي يقوم على احترام سيادة الدول، والإيمان بأهمية الحوار، وتعزيز العمل متعدد الأطراف، ودعم الاستقرار الإقليمي، انطلاقاً من قناعة مشتركة مفادها أن الشراكات المستدامة لا تُبنى بمنطق موازين القوة، وإنما بروح الثقة والاحترام المتبادل.
ورغم أن التعاون المغربي البلغاري ظل يوصف، لسنوات طويلة، بأنه تعاون هادئ لا يبحث عن الأضواء، فإن التحولات الكبرى التي شهدها البلدان خلال السنوات الأخيرة أضفت عليه أبعاداً جديدة تتجاوز الإطار السياسي التقليدي.
فالمغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، رسخ مكانته باعتباره قوة إقليمية صاعدة، ومنصة استراتيجية تربط أوروبا بإفريقيا وبالفضاء الأطلسي، كما أصبح مركزاً صناعياً ولوجستياً يحظى بثقة متزايدة لدى المستثمرين والشركاء الدوليين.
وفي المقابل، تواصل بلغاريا تعزيز حضورها داخل الاتحاد الأوروبي، مستثمرة موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وقاعدتها الصناعية، وانفتاحها الطبيعي على منطقة البلقان والبحر الأسود، بما يمنحها موقعاً متميزاً داخل المنظومة الأوروبية.
هذا التطور المتوازي خلق اليوم فرصاً حقيقية لبناء شراكة أكثر شمولاً، تقوم على الاستثمار والإنتاج المشترك، وسلاسل القيمة الصناعية، والطاقات المتجددة، والأمن الغذائي، والتحول الرقمي، والبحث العلمي، والتكنولوجيا المتقدمة، وتطوير البنيات التحتية، إلى جانب توسيع التعاون الجامعي والثقافي بين البلدين.
ومع ذلك، لا تزال إمكانات التعاون أكبر بكثير مما تعكسه الأرقام الحالية. فحجم المبادلات التجارية، رغم تحسنه التدريجي، لا يرقى بعد إلى الإمكانات الاقتصادية التي يمتلكها البلدان، كما أن الاستثمارات المتبادلة تبقى محدودة، في حين تظل مجالات التعاون بين الجامعات ومراكز البحث العلمي، والشركات المبتكرة، والمؤسسات الثقافية، مفتوحة أمام آفاق واسعة للنمو والتطوير.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الملاحظات باعتبارها مكامن ضعف، بقدر ما تمثل دعوة صريحة إلى الارتقاء بالعلاقات المغربية البلغارية نحو مستوى يتلاءم مع التحولات العميقة التي يشهدها البلدان ومع المتغيرات المتسارعة التي يعرفها العالم.
وفي هذا السياق تحديداً، تندرج المأمورية الدبلوماسية للسفير بلامين تزولوف.
فمنذ وصوله إلى الرباط، اختار أن يمارس الدبلوماسية بعيداً عن منطق الظهور الإعلامي، معتمداً أسلوباً يقوم على الحضور الهادئ، والإنصات، والانفتاح، وبناء الثقة مع مختلف شركائه المغاربة. وهي مقاربة دبلوماسية تجعل الحوار يسبق المبادرات، والاستمرارية تتقدم على البحث عن الإنجازات السريعة.
وخلال سنوات عمله، واكب تطور العلاقات الثنائية بروح من الرصانة والاتزان، وأسهم في تعزيز الحوار السياسي، وتشجيع التقارب الاقتصادي، ودعم المبادرات الثقافية، وتوسيع مجالات التعارف المتبادل بين الشعبين المغربي والبلغاري، في إطار من الاحترام المتبادل والتقدير المشترك.
وفي زمن أصبحت فيه الدبلوماسية، أحياناً، أسيرة سرعة الأحداث والإعلام، يكتسب هذا النموذج من العمل الدبلوماسي قيمة خاصة. فنجاح السفير لا يُقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة أو المناسبات الرسمية التي حضرها، بل يقاس أيضاً بما يتركه من علاقات إنسانية، وشبكات تعاون، ورصيد من الثقة يسمح للمؤسسات بمواصلة الحوار بصورة طبيعية بعد انتهاء مهمته.
ويغادر السفير البلغاري المملكة المغربية في مرحلة تبدو فيها العلاقات بين البلدين أمام أفضل فرصة عرفتها خلال السنوات الأخيرة للانتقال إلى مستوى أكثر طموحاً. فالتغيرات الجيوسياسية، وإعادة تشكيل سلاسل الاقتصاد العالمي، وتنويع الشراكات الدولية للمغرب، وصعود الممرات الاقتصادية الأوروبية الإفريقية، إلى جانب الأولويات الجديدة للاتحاد الأوروبي، كلها عوامل تجعل من تعميق التعاون المغربي البلغاري خياراً يحمل الكثير من المقومات والفرص.
ويبقى المستقبل رهيناً بالمشاريع التي سيختار البلدان إطلاقها معاً، لكنه سيظل أيضاً وفياً لأولئك الذين مهدوا لهذا المستقبل بصبر، وحكمة، وإيمان راسخ بأن الحوار هو الاستثمار الأكثر استدامة في العلاقات الدولية.
ففي النهاية، تنتهي المهام الدبلوماسية، لكن العلاقات الإنسانية التي تُبنى خلالها تظل باقية. وربما تكمن القيمة الحقيقية لأي سفير في أن يغادر البلد الذي عمل فيه وقد ترك وراءه أصدقاء أكثر من المراسم، وثقة أكبر من البروتوكولات.
ومن هذه الزاوية، سيظل اسم بلامين تزولوف مرتبطاً في المغرب بصورة دبلوماسي آمن بأن بناء العلاقات بين الدول لا يحتاج دائماً إلى الخطابات الكبيرة، بقدر ما يحتاج إلى العمل الهادئ، والاحترام المتبادل، والنفس الطويل.
فالمأموريات تنتهي، أما الجسور التي تُبنى بإخلاص، فإنها تظل شاهدة على أصحابها، وتواصل وصل الشعوب، جيلاً بعد جيل.



