Non classé
المغرب وكولومبيا… هل نشهد ولادة شراكة استراتيجية تعيد رسم جسور التعاون بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية؟

ليست التحولات الكبرى في العلاقات الدولية وليدة القمم السياسية أو الاتفاقيات الضخمة وحدها، بل كثيراً ما تبدأ من رسائل سياسية محسوبة، وخطابات تتجاوز حدود البروتوكول لتكشف عن رؤية جديدة، وتعلن توجهاً استراتيجياً، وترسم ملامح مرحلة مختلفة. ومن هذا المنطلق، جاءت احتفالات جمهورية كولومبيا بعيدها الوطني في الرباط لتسلط الضوء على مرحلة واعدة من العلاقات المغربية الكولومبية، في لحظة تعكس بوضوح رغبة المملكة في الارتقاء بهذا التعاون إلى آفاق أكثر طموحاً.
فمنذ سنوات، ينتهج المغرب سياسة خارجية تقوم على تنويع شراكاته الدولية والانفتاح على فضاءات جغرافية ظلت لفترة طويلة خارج دائرة الأولويات التقليدية. وفي هذا السياق، أصبحت أمريكا اللاتينية تحظى بمكانة متنامية في الرؤية الدبلوماسية المغربية، ليس فقط لما تمثله من ثقل اقتصادي متزايد، بل أيضاً لما تضطلع به من دور مؤثر في موازين السياسة الدولية. وتبرز كولومبيا، اليوم، باعتبارها شريكاً مؤهلاً ليحتل موقعاً محورياً ضمن هذه المقاربة الجديدة.
كما أن التحولات التي عرفتها الساحة السياسية الكولومبية خلال الفترة الأخيرة فتحت نافذة جديدة للتقارب، يبدو أن الرباط عازمة على استثمارها بحكمة ورؤية بعيدة المدى. فالرسالة التي حملها الخطاب الرسمي كانت واضحة؛ المغرب يتطلع إلى تدشين صفحة جديدة مع بوغوتا، تقوم على حوار متجدد، وثقة متبادلة، واحترام الثوابت الوطنية لكل بلد. وهي إرادة تنسجم تماماً مع الرؤية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والقائمة على ترسيخ دبلوماسية الحوار، والاحترام المتبادل، والتعاون العملي القائم على المصالح المشتركة.
غير أن هذه الدينامية الجديدة لا تقتصر على البعد السياسي وحده، بل تعكس تحولاً أعمق في فلسفة الشراكات الدولية التي يعتمدها المغرب. فالمملكة لم تعد تكتفي بإقامة علاقات دبلوماسية جيدة، بل تسعى إلى بناء تحالفات اقتصادية حقيقية، قادرة على تحفيز النمو، وتشجيع الاستثمار، وإقامة جسور مستدامة بين القارات.
وليس من قبيل المصادفة أن تبرز، خلال هذه المناسبة، قطاعات بعينها باعتبارها محاور ذات أولوية، من بينها الأمن الغذائي، والزراعة المستدامة، والابتكار الزراعي، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتشجيع الاستثمارات المنتجة، وتوسيع المبادلات التجارية. فهذه المجالات تشكل اليوم رهانات استراتيجية مشتركة لكل من الرباط وبوغوتا، كما أن ما يجمع البلدين من تكامل اقتصادي لا يزال يتيح فرصاً واسعة لم تستثمر بعد بالشكل المطلوب. وفي ظل التقلبات الاقتصادية العالمية والضغوط التي تعرفها الأسواق الدولية، تبدو هذه القطاعات مؤهلة لأن تمنح العلاقات الثنائية مضموناً عملياً وقيمة مضافة حقيقية.
ومن بين أبرز ملامح هذه الرؤية الجديدة، يبرز البعد الأطلسي الذي يراهن عليه المغرب منذ سنوات. فقد عملت المملكة بشكل متواصل على ترسيخ موقعها كحلقة وصل استراتيجية بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، مستفيدة من تطوير بنياتها التحتية المينائية، وتعزيز شبكاتها اللوجستية، وإطلاق مشاريع كبرى في مجال الربط والتواصل. وهي رؤية تجعل من الواجهة الأطلسية فضاءً اقتصادياً واستثمارياً متكاملاً، وممراً لتبادل السلع ورؤوس الأموال والأفكار. وفي هذا الإطار، تبدو كولومبيا شريكاً طبيعياً للمغرب، وقادرة على الإسهام في توطيد الروابط بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية ضمن منظور استراتيجي طويل الأمد.
كما تعكس هذه المقاربة فهماً متجدداً لمفهوم التعاون جنوب–جنوب، الذي لم يعد مجرد شعار سياسي أو إطار رمزي، بل تحول إلى آلية فعلية لتحقيق التنمية المشتركة. فالتحديات التي تفرضها التحولات الزراعية، والطاقية، والرقمية، واللوجستية، تدفع البلدين إلى إعطاء الأولوية لمشاريع ملموسة تحقق نتائج مباشرة، سواء لفائدة المواطنين أو الفاعلين الاقتصاديين.
وفي المقابل، يظل الحوار السياسي الركيزة الأساسية لأي شراكة مستدامة. فمن خلال تأكيد المملكة مجدداً تمسكها باحترام سيادة الدول، واعتماد التشاور بشأن القضايا الإقليمية والدولية الكبرى، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، يواصل المغرب تكريس نهجه الدبلوماسي القائم على وضوح المواقف، والبحث عن شركاء يتقاسمون رؤية مسؤولة ومتوازنة للعلاقات الدولية.
أما من حيث أسلوب الخطاب، فقد برزت مداخلة هشام صابري، كاتب الدولة المكلف بالشغل لدى وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، بوصفها نموذجاً للخطاب العمومي الرصين. فقد اتسمت كلمته بالهدوء والدقة والاتزان، ونقلت بوضوح توجهات المملكة، بعيداً عن المبالغة أو الخطابة الإنشائية، مجسدة بذلك صورة دبلوماسية مغربية واثقة، تستند إلى ثوابتها الوطنية، وتتطلع إلى بناء شراكات طويلة الأمد تتجاوز حدود التصريحات إلى فضاء الإنجاز المشترك.
واليوم، تبدو العلاقات المغربية الكولومبية أمام فرصة حقيقية للانتقال إلى مستوى أكثر تقدماً. غير أن نجاح هذه المرحلة سيظل رهيناً بالقدرة على تحويل التقارب السياسي إلى مشاريع اقتصادية ملموسة، والطموحات المعلنة إلى برامج تعاون دائمة، والتفاهمات الدبلوماسية إلى شراكات مؤسساتية مستمرة. وإذا ما استمرت هذه الدينامية بالوتيرة نفسها، فقد يشكل التعاون بين الرباط وبوغوتا أحد أكثر النماذج الواعدة في مسار التقارب بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية، مؤكداً أن الدبلوماسية القائمة على الثقة، والواقعية، والرؤية الاستراتيجية، لا تزال أفضل السبل لبناء شراكات المستقبل.



