Non classé

المغرب والبرتغال… هل حان موعد الانتقال من حسن الجوار إلى شراكة أطلسية تصنع المستقبل؟

لم يعد تعيين لويس فيليبي ميلو إي فارو راموس سفيراً جديداً للبرتغال لدى المملكة المغربية مجرد إجراء دبلوماسي اعتيادي، بل يأتي في مرحلة تبدو فيها العلاقات المغربية البرتغالية مهيأة للانتقال إلى مستوى أكثر طموحاً واتساعاً. فاختيار شخصية راكمت خبرة واسعة في الملفات السياسية والاستراتيجية والدفاعية، وعملت داخل المؤسسات الأوروبية والأمم المتحدة، كما اضطلعت بأدوار بارزة في الدبلوماسية الثقافية والفضاء اللوسوفوني، يعكس إرادة واضحة لمنح العلاقات الثنائية نفساً جديداً يتجاوز الإطار التقليدي للتعاون الدبلوماسي.
وعلى امتداد السنوات الماضية، نجح المغرب والبرتغال في بناء علاقة اتسمت بالثقة والاستقرار السياسي، وهي مكاسب مهمة شكلت أرضية صلبة للحوار بين الرباط ولشبونة. غير أن الحفاظ على هذا الاستقرار لم يعد كافياً في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الأطلسي والمتوسطي، حيث تفرض التحديات الاقتصادية والأمنية والطاقية على البلدين الانتقال من منطق إدارة العلاقات إلى منطق صناعة المشاريع المشتركة، عبر شراكات ترتكز على الاستثمار والتكنولوجيا والبنيات التحتية والاقتصاد الأزرق والأمن البحري.
ويحتل المغرب اليوم موقعاً جيوستراتيجياً يجعله بوابة رئيسية نحو إفريقيا، في الوقت الذي يعزز فيه البرتغال مكانته كمنصة أوروبية منفتحة على المحيط الأطلسي والعالم الناطق بالبرتغالية. وهذه المكانة المتكاملة لم تستثمر بعد بالشكل الذي يوازي إمكاناتها الحقيقية. فالسنوات المقبلة قد تفتح الباب أمام جيل جديد من المشاريع المشتركة، يتيح للمقاولات المغربية والبرتغالية العمل جنباً إلى جنب داخل الأسواق الإفريقية، خاصة في مجالات الطاقات المتجددة، وتطوير الموانئ، والخدمات اللوجستية، والتحول الرقمي، والتدبير المستدام للموارد البحرية.
وتكتسب المسيرة المهنية للسفير الجديد دلالة خاصة في هذا السياق، إذ تمنحه خبرته في المديرية العامة للسياسة الدفاعية الوطنية، ثم داخل اللجنة السياسية والأمنية للاتحاد الأوروبي، إضافة إلى مهامه بالأمم المتحدة، رؤية دقيقة للتحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم ملامح الفضاء الأوروبي الأطلسي. ومن شأن هذا الرصيد أن يفتح آفاقاً أوسع لتنسيق المواقف بين الرباط ولشبونة في ملفات الأمن البحري، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، وتعزيز الأمن الطاقي، وترسيخ الاستقرار الإقليمي.
كما أن توليه رئاسة معهد كامويش أضفى على تجربته بعداً ثقافياً ومعرفياً لا يقل أهمية عن الجوانب السياسية والاقتصادية. فالعلاقات الدولية الحديثة لم تعد تقاس فقط بحجم المبادلات التجارية أو الاتفاقيات الرسمية، بل أصبحت تقوم أيضاً على تبادل المعرفة، وتعزيز التعاون الجامعي، والبحث العلمي، والتقارب الثقافي، وإتاحة الفرص أمام الأجيال الصاعدة. وفي هذا المجال، لا تزال أمام المغرب والبرتغال إمكانات كبيرة لتوسيع آفاق التعاون بما يجعل الثقافة والعلم ركيزتين أساسيتين في الشراكة الثنائية.
أما على المستوى الاقتصادي، فتظل التطلعات أكبر من حجم المنجزات الحالية. فالبرتغال تمتلك خبرات معترفاً بها في مجالات تتقاطع مع أولويات المغرب التنموية، من التنقل المستدام ومعالجة المياه إلى البناء والتكنولوجيا الصناعية والزراعة الذكية ورقمنة الخدمات والاقتصاد الأخضر. وفي المقابل، تنظر المقاولات المغربية إلى السوق البرتغالية باعتبارها بوابة طبيعية لتعزيز حضورها داخل الفضاء الأوروبي، وهو ما يفتح المجال أمام شراكات متوازنة قائمة على تبادل الخبرات والمصالح المشتركة.
ويكتسي التنظيم المشترك لكأس العالم لكرة القدم سنة 2030 أهمية استثنائية، لأنه لا يمثل مجرد حدث رياضي عالمي، بل يشكل ورشاً استراتيجياً لإطلاق مشاريع كبرى في مجالات النقل والربط اللوجستي والسياحة والتكوين والابتكار وأمن التظاهرات الدولية والترويج المشترك للوجهة الأطلسية. إنها فرصة تاريخية قد تجعل من هذا الحدث نقطة تحول حقيقية في مسار العلاقات المغربية البرتغالية، إذا أحسن الطرفان استثمارها ضمن رؤية بعيدة المدى.
ورغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال بعض التحديات قائمة، إذ إن حجم المبادلات التجارية والاستثمارات المتبادلة لم يبلغ بعد المستوى الذي تعكسه الإمكانات الاقتصادية للبلدين، كما أن العديد من القطاعات الواعدة تحتاج إلى مواكبة مؤسساتية أكبر لتشجيع المبادرات المشتركة. فالقرب الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لم يعد كافياً بمفرده، بل ينبغي أن يتحول إلى تقارب اقتصادي وصناعي وتكنولوجي ينعكس على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، يكتسب وصول السفير لويس فيليبي ميلو إي فارو راموس إلى الرباط بعداً يتجاوز حدود التمثيل الدبلوماسي التقليدي، فهو دبلوماسي اعتاد التعامل مع الملفات المعقدة، ويملك القدرة على الجمع بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية والاستراتيجية في مقاربة واحدة. ومن ثم، قد يسهم في مواكبة مرحلة جديدة من العلاقات المغربية البرتغالية، قوامها المشاريع الملموسة، والشراكات المستدامة، والرؤية المشتركة لمستقبل الفضاء الأطلسي.
لقد نجح المغرب والبرتغال، على مدى عقود، في ترسيخ علاقة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل. أما التحدي الحقيقي خلال السنوات المقبلة، فلن يكون الحفاظ على هذه الثقة، وإنما تحويلها إلى إنجازات اقتصادية واستراتيجية وثقافية ملموسة، تجعل من ضفتي الأطلسي فضاءً لشراكة نموذجية، وتكتب فصلاً جديداً أكثر جرأة وطموحاً في تاريخ العلاقات بين الرباط ولشبونة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق