Non classé
سفير بخبرة الشرق الأوسط… هل تدخل العلاقات المغربية الروسية مرحلة جديدة؟

يشكل تعيين إيغور بيليايف سفيراً فوق العادة ومفوضاً لـروسيا لدى المغرب محطة دبلوماسية تستحق التوقف عندها، ليس فقط بالنظر إلى مساره المهني الطويل داخل السلك الدبلوماسي الروسي، ولكن أيضاً لما يحمله هذا الاختيار من دلالات ترتبط بطبيعة المرحلة التي تمر بها العلاقات المغربية الروسية، وبالرهانات المشتركة التي تفرضها التحولات المتسارعة في البيئة الإقليمية والدولية.
فالسفير الجديد ليس وجهاً دبلوماسياً حديث العهد بالمنطقة، بل هو من الدبلوماسيين الذين راكموا تجربة ميدانية واسعة في العالم العربي، حيث اشتغل في لبنان ومصر وسوريا، قبل أن يتولى منصب سفير بلاده في الجزائر، ثم يشغل مسؤولية نائب مدير إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوزارة الخارجية الروسية. وهو مسار يعكس معرفة دقيقة بخصوصيات المنطقة، وبالتوازنات السياسية والاقتصادية التي تحكمها، كما يمنحه قدرة أكبر على فهم خصوصيات المملكة المغربية وموقعها المتنامي داخل محيطها الإقليمي والقاري.
لقد نجح المغرب وروسيا، على امتداد السنوات الماضية، في الحفاظ على علاقات تتسم بالاحترام المتبادل والحوار المستمر، رغم اختلاف المقاربات في بعض الملفات الدولية. فقد اختار البلدان أن يجعلا من المصالح المشتركة أساساً للتعاون، وأن يطورا قنوات التواصل السياسي والاقتصادي والثقافي بعيداً عن منطق الاصطفافات الظرفية، وهو ما منح هذه العلاقة قدراً من الاستقرار والواقعية.
واليوم، تبدو آفاق هذا التعاون أوسع من أي وقت مضى. فالمغرب، بما راكمه من إصلاحات اقتصادية وبنيات تحتية متطورة، أصبح منصة إقليمية للاستثمار والإنتاج والتصدير نحو إفريقيا وأوروبا. وفي المقابل، تظل روسيا قوة اقتصادية وصناعية وعلمية كبرى تمتلك خبرات متقدمة في مجالات الطاقة والصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتعليم العالي والبحث العلمي، وهي قطاعات يمكن أن تشكل أرضية خصبة لإطلاق مشاريع تعاون أكثر طموحاً.
كما أن المبادلات التجارية بين البلدين، رغم أهميتها، ما تزال دون الإمكانات الحقيقية التي توفرها السوقان، وهو ما يفتح المجال أمام دينامية جديدة تستهدف تنويع الاستثمارات، وتشجيع الشراكات بين الفاعلين الاقتصاديين، وتعزيز التعاون في مجالات الأمن الغذائي والصناعة الغذائية والأسمدة والصيد البحري والطاقات المتجددة، فضلاً عن السياحة والتبادل الثقافي والأكاديمي.
ويأتي تعيين السفير إيغور بيليايف في هذا السياق بالذات، بما يحمله من خبرة تراكمت على مدى أكثر من ثلاثة عقود في الملفات العربية، ومن معرفة دقيقة بآليات العمل داخل وزارة الخارجية الروسية. فمثل هذه الكفاءات لا تُكلَّف عادة إلا بالبعثات التي تكتسي أهمية خاصة في السياسة الخارجية لبلادها، وهو ما يعكس المكانة التي بات يحتلها المغرب داخل الرؤية الروسية تجاه منطقة شمال إفريقيا.
ومن شأن هذه الخبرة أن تمنح الحوار الثنائي زخماً إضافياً، خاصة في ظل ما يشهده المغرب من أوراش اقتصادية كبرى واستعدادات لاستحقاقات دولية مهمة، وما توفره هذه الدينامية من فرص جديدة للتعاون والاستثمار ونقل الخبرات.
ولا تقتصر العلاقات المغربية الروسية على الجوانب الاقتصادية وحدها، بل تمتد أيضاً إلى مجالات الثقافة والتعليم والتبادل الإنساني، وهي أبعاد تظل قادرة على تعزيز التقارب بين الشعبين وترسيخ صورة أكثر عمقاً للعلاقات الثنائية، بعيداً عن القراءة التي تختزلها في الملفات السياسية فقط.
إن نجاح أي سفير لا يقاس بعدد اللقاءات الرسمية التي يعقدها، بقدر ما يقاس بقدرته على بناء جسور الثقة، وفتح آفاق جديدة للتعاون، وتحويل الإمكانات النظرية إلى مشاريع ملموسة تعود بالنفع على البلدين. ومن هنا، فإن الخبرة الطويلة التي راكمها السفير إيغور بيليايف، ومعرفته العميقة بالعالم العربي، تشكلان عناصر قد تساعد على إعطاء دفعة جديدة للعلاقات المغربية الروسية، في إطار الاحترام المتبادل، والحوار البناء، وخدمة المصالح المشتركة.
وفي عالم يتغير بسرعة، تبقى الدبلوماسية الهادئة، القائمة على الواقعية والانفتاح والبحث عن نقاط الالتقاء، إحدى أهم الأدوات لبناء شراكات مستدامة. ويبدو أن الرباط وموسكو تمتلكان اليوم من المقومات ما يؤهلهما للارتقاء بعلاقاتهما إلى مستويات أكثر تنوعاً وعمقاً، بما ينسجم مع طموحات البلدين ويعزز حضورهما كشريكين فاعلين في فضائهما الإقليمي والدولي.



