Non classé
المغرب – بنما: حين تعيدُ الدبلوماسيةُ جنوب–جنوب رسمَ خرائط السياحة والاستثمار

في زمنٍ يشهد تحولاتٍ عميقة في موازين القوى الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، تفرضُ الشراكةُ جنوب–جنوب نفسها تدريجياً باعتبارها أحد أكثر المسارات واقعيةً ومصداقيةً لبناء تنميةٍ مشتركة، قائمة على البراغماتية والسيادة وتكافؤ المصالح. فبعدما ظلت هذه المقاربة تُختزل لسنوات طويلة في بعدها التضامني والدبلوماسي بين البلدان النامية، أضحت اليوم أداةً استراتيجية حقيقية للتموقع الاقتصادي، وتعزيز النفوذ، وخلق التكاملات الإقليمية الجديدة.
وفي هذا السياق تحديداً، يندرج التقارب المتنامي بين المملكة المغربية وجمهورية بنما، وهما بلدان يفصل بينهما البعد الجغرافي، غير أنّهما يبدوان اليوم مدفوعين بإرادة مشتركة تروم بناء جسور جديدة بين القارات والاقتصادات وفضاءات الفرص الواعدة.
فاللقاء الذي احتضنته الرباط بين فاطمة الزهراء عمور، وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والسيد كارلوس أرتورو هويوس بويد، نائب وزير الشؤون الخارجية البنمي، يتجاوز بكثير حدود البروتوكول الدبلوماسي التقليدي. إذ يعكس توجهاً سياسياً أعمق، تؤطره الرؤية المغربية للتعاون الدولي، القائمة على الشراكة المتوازنة، وتبادل الخبرات، وإرساء ديناميات تعاون مستدامة.
وفي هذا الإطار، يبرز القطاع السياحي باعتباره مجالاً استراتيجياً بامتياز، لم يعد يقتصر فقط على الترويج للوجهات أو رفع أعداد الزوار، بل تحول إلى فضاء للدبلوماسية الاقتصادية، والإشعاع الثقافي، وتعزيز الاندماج الإقليمي.
ومن هنا، تفتح مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين مرحلة جديدة في العلاقات المغربية–البنمية، تتجاوز التعاون التقني نحو إرساء إطار متكامل للتنسيق وتبادل أفضل الممارسات والخبرات، وتطوير مقاربات مبتكرة في مجالي السياحة المستدامة والاستثمار السياحي.
وليس اختيار بنما في هذا السياق أمراً اعتباطياً، فهذه الدولة تُعد واحدة من أبرز المنصات اللوجستية والمالية في القارة الأمريكية، بفضل موقعها الجيو-استراتيجي المحوري، خاصة عبر قناة بنما التي ما تزال تشكل أحد أهم الممرات البحرية تأثيراً في العالم. ومن خلال تعزيز علاقاته مع بنما، يعمل المغرب بشكل غير مباشر على توسيع حضوره الدبلوماسي والاقتصادي في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، وهي فضاءات تزخر بإمكانات كبيرة، لكنها لا تزال في حاجة إلى انخراط أوسع من الفاعلين الاقتصاديين المغاربة.
وفي المقابل، يمنح المغرب لبنما بوابة استراتيجية نحو إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، مستفيداً من استقراره المؤسساتي، وبنياته التحتية الحديثة، وشبكاته الجوية والمينائية المتطورة، فضلاً عن استراتيجيته الإفريقية الطموحة، التي جعلت منه تدريجياً مركزاً قارياً محورياً لا يمكن تجاوزه.
وتمنح هذه التكاملية الجغرافية والاستراتيجية لهذا التقارب آفاقاً واعدة للغاية، إذ تفتح المجال أمام إطلاق مشاريع مشتركة في عدة قطاعات، من قبيل المسارات السياحية المشتركة، والترويج المتبادل للوجهات، والشراكات بين الفاعلين الخواص، والاستثمارات الفندقية، وتبادل الخبرات في مجال التكوين السياحي، إلى جانب التعاون في مجالات السياحة الذكية والمستدامة.
غير أنّ أهمية هذا التقارب لا تقتصر على أبعاده الاقتصادية فحسب، بل يحمل كذلك دلالة رمزية عميقة، تتمثل في قدرة بلدان الجنوب على بناء نماذج تعاون مستقلة فيما بينها، تقوم على الاحترام المتبادل وتقاطع المصالح الاستراتيجية، بعيداً عن منطق التبعية التقليدي.
وفي هذا الإطار، يشكل الدعم الذي عبرت عنه جمهورية بنما لمخطط الحكم الذاتي المغربي عنصراً سياسياً بالغ الأهمية، ساهم بشكل واضح في إضفاء دينامية جديدة على العلاقات الثنائية، وفي ترسيخ مناخ من الثقة شجع على توسيع الشراكات القطاعية وفتح آفاق تعاون جديدة.
ومن خلال هذه المرحلة الجديدة، يؤكد المغرب مرة أخرى انسجام سياسته الخارجية، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، والتي جعلت من التعاون جنوب–جنوب محوراً مركزياً في تحركاته الدبلوماسية والاقتصادية. وهي رؤية لم تعد تقتصر على الفضاء الإفريقي فحسب، بل امتدت اليوم إلى أمريكا اللاتينية وآسيا ومختلف المناطق الصاعدة في العالم.
وفي ظل سياق دولي يتسم بتصاعد حالة اللايقين الاقتصادي، وتزايد التوترات الجيوسياسية، وإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، تصبح التحالفات القائمة على التكامل والثقة المتبادلة ضرورة استراتيجية ملحة. ومن هذا المنطلق، قد يشكل التقارب بين الرباط و بنما ملامح جيل جديد من شراكات جنوب–جنوب، أكثر عملية ونجاعة، وأكثر توجهاً نحو الاستثمار والربط الاقتصادي وتنقل الكفاءات.
وفي المحصلة، لا يبدو هذا الاتفاق مجرد تفاهم سياحي عابر، بل يعكس طموحاً مشتركاً يتمثل في جعل الحوار بين بلدان الجنوب رافعة حقيقية للنمو، والنفوذ، والانفتاح على العالم.



