Non classé
أمينة بنخضرة… حين تتحول الكفاءة إلى سيادة، وتصبح الطاقة شأناً من شؤون الدولة

في الدول التي تفكر في مستقبلها بجدية، لا تُختزل معارك السيادة في السياسة وحدها، ولا تُدار رهانات الاستقلال من بوابة الخطاب فقط، بل تُبنى أيضاً داخل المؤسسات الصلبة، وفي القطاعات التي تتحكم في شروط القوة والقدرة على القرار. والطاقة، بما تختزنه من رهانات اقتصادية وجيوسياسية وأمنية، تأتي في قلب هذه المعادلة. من هنا يبرز اسم أمينة بنخضرة، لا باعتبارها مجرد مسؤولة عمومية تدير مؤسسة استراتيجية، بل بوصفها واحدة من الوجوه التي أسهمت، على مدى سنوات، في تشكيل الوعي المغربي الجديد بأهمية الطاقة والمعادن كرافعة سيادية، وكأفق من آفاق القوة الهادئة للمملكة.
إن الحديث عن أمينة بنخضرة لا يستقيم إذا حُصر في منطق المناصب أو في حدود السيرة الإدارية الكلاسيكية. فهذه المرأة فرضت حضورها في مجال معقد وشديد الحساسية لا بسطوة الواجهة، بل بقوة المعرفة، وصلابة التكوين، وهدوء الشخصية، ووضوح الرؤية. لقد شقت طريقها في قطاع ظل لوقت طويل محكوماً بالمعادلات التقنية الثقيلة وبهيمنة الفاعلين الذكور، لكنها نجحت في أن تجعل من الكفاءة لغةً أعلى من كل الاعتبارات الأخرى، وأن تفرض احترامها من خلال ما راكمته من مصداقية علمية ومهنية، وما أظهرته من قدرة نادرة على الجمع بين منطق الخبير وحس رجل الدولة.
ومن يتأمل مسارها يدرك سريعاً أنه أمام شخصية لا تشتغل بمنطق التدبير اليومي الضيق، بل بعقل استراتيجي يرى أبعد من اللحظة، ويقرأ التحولات في عمقها، ويضع كل ملف في سياقه الوطني والدولي الأشمل. فبفضل تكوينها العلمي الرفيع في مجالات الهندسة والجيولوجيا والطاقة والتدبير، لم تكن أمينة بنخضرة مجرد مديرة لمؤسسة، بل تحولت إلى فاعل مؤثر في صياغة رؤية مغربية متماسكة لقطاع الطاقة والمعادن، رؤية لا تنظر إلى الموارد الطبيعية بوصفها ثروة قابلة للاستغلال فقط، بل باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن القومي، ومكوناً من مكونات التموقع الجيوسياسي، وورقة من أوراق القوة في عالم يتغير بسرعة مذهلة.
ومن هذا المنظور تحديداً، يمكن فهم المكانة التي تحتلها داخل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، كما يمكن فهم طبيعة الدور الذي اضطلعت به في تحديث علاقة المغرب بشركائه الدوليين في مجالات الاستكشاف والتنقيب والتعاون الطاقي والتعديني. فالمؤسسة، تحت قيادتها، لم تعد مجرد جهاز تقني يسهر على تتبع الملفات، بل غدت فاعلاً استراتيجياً يتحرك في فضاء تتداخل فيه الحسابات الاقتصادية بالرهانات الجيوسياسية، وتتقاطع فيه المصالح الوطنية مع تحولات السوق الدولية ومع السباق العالمي على الموارد والمعادن الحيوية.
لقد كان من أبرز ما ميز أسلوب أمينة بنخضرة في تدبير هذا الورش هو قدرتها على بناء توازن دقيق بين أمرين يبدوان أحياناً متعارضين: جعل المغرب فضاءً جاذباً للاستثمار الدولي، وفي الآن نفسه حماية مصالحه الاستراتيجية وعدم التفريط في موقعه التفاوضي. وهذا التوازن ليس بالأمر الهيّن، خاصة في قطاع تتشابك فيه رهانات التمويل والتكنولوجيا والنفوذ الدولي. غير أن ما راكمته من تجربة، وما تتمتع به من قدرة تفاوضية رصينة، جعلاها من الشخصيات القليلة القادرة على إدارة هذا الخيط الرفيع بين الانفتاح على الشراكات الكبرى وصيانة المصالح العليا للدولة.
ولعل ما يضاعف قيمة هذا المسار أن أمينة بنخضرة لم تتحرك في ظرف دولي مستقر أو بسيط، بل في عالم أصبح ملف الطاقة فيه واحداً من أكثر الملفات توتراً وتعقيداً. فالأزمات الجيوسياسية المتلاحقة، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتحولات التي فرضتها الحرب على مصادر الطاقة، ثم التسارع العالمي نحو الانتقال الطاقي والاقتصاد الأخضر، كلها عوامل جعلت من هذا القطاع مجالاً لإعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات. وفي قلب هذه التحولات، بدا واضحاً أن المغرب في حاجة إلى كفاءات من طراز خاص، تجمع بين فهم الجيولوجيا ولغة الأسواق ومفاتيح التفاوض وقراءة الجغرافيا السياسية، وهي كلها عناصر تجتمع في شخصية أمينة بنخضرة على نحو لافت.
لقد كانت من الأصوات التي استوعبت مبكراً أن المستقبل لن يكون فقط للنفط والغاز بمعناهما التقليدي، بل أيضاً للمعادن الاستراتيجية، وللطاقات المتجددة، وللهيدروجين الأخضر، وللشبكات العابرة للحدود، ولأشكال جديدة من الشراكات التي تعيد تعريف الأمن الطاقي على أسس مختلفة. ومن هنا جاءت مقاربتها للقطاع شاملة ومركبة، لا تفصل بين الموارد التقليدية والرهانات الجديدة، ولا تنظر إلى التعدين والطاقة كملفين منفصلين، بل كجزء من رؤية وطنية واسعة تستشرف مكانة المغرب في عالم ما بعد التحولات الكبرى.
وإذا كان من السهل الحديث عن الخبرة التقنية والنجاح الإداري، فإن ما يستحق التوقف عنده في شخصية أمينة بنخضرة هو هذا الامتزاج النادر بين الصرامة والهدوء، بين التحفظ والفعالية، وبين الأناقة في الحضور والحسم في القرار. فهي من ذلك الطراز من المسؤولين الذين لا يستهويهم الصخب، ولا يراهنون على الاستعراض، بل يتركون العمل يتكلم عنهم. وهذا في حد ذاته جزء من شخصيتها القيادية: حضور هادئ، لكن ثابت؛ خطاب محسوب، لكن عميق؛ واشتغال دؤوب لا يبحث عن الضوء، لكنه يترك بصمته بوضوح.
ولا يمكن الحديث عن أمينة بنخضرة من دون التوقف عند بعدها الدبلوماسي. فملف الطاقة لم يعد اليوم شأناً تقنياً صرفاً، بل أصبح في صلب السياسة الخارجية للدول، وفي قلب علاقاتها الاقتصادية وتحالفاتها الإقليمية والدولية. وهنا أيضاً برزت قدرتها على تحويل الدبلوماسية الاقتصادية إلى امتداد طبيعي للمصلحة الوطنية، إذ لم تكن اللقاءات الدولية والمنتديات الكبرى التي شاركت فيها مجرد فضاءات تمثيلية، بل منصات للدفاع عن صورة المغرب كشريك موثوق، وكبلد يملك من الاستقرار والرؤية والجدية ما يجعله وجهة معتبرة للاستثمار والتعاون طويل الأمد.
ولعل هذه المصداقية بالذات هي واحدة من أهم الرسائل التي جسدها مسارها. ففي عالم الأعمال والطاقة، لا يكفي أن تتوفر الدول على الإمكانات الجيولوجية أو على الطموح السياسي، بل تحتاج أيضاً إلى وجوه مؤسساتية تمنح الشريك الدولي الثقة، وتُشعره بأن أمامه دولة تعرف ماذا تريد، وكيف تتفاوض، وأين تضع حدود مصالحها. وفي هذا المستوى تحديداً، تبدو أمينة بنخضرة من بين الشخصيات التي أدت دوراً محورياً في ترسيخ صورة المغرب كفاعل جاد وموثوق في قطاع شديد الحساسية والتنافسية.
إن قيمة هذه الشخصية لا تكمن فقط في نجاحها في إدارة مؤسسة أو في توقيع شراكات أو في تمثيل المغرب في المحافل الدولية، بل في كونها ساهمت في ترسيخ ثقافة كاملة داخل قطاع استراتيجي، ثقافة قوامها الجدية، والدقة، والاستمرارية، والاشتغال بعيداً عن منطق الارتجال. وهي بذلك تمثل نموذجاً مغربياً رفيعاً للمرأة القيادية التي لم تجعل من حضورها مجرد استثناء رمزي، بل حولته إلى أثر مؤسساتي ممتد، وإلى مساهمة فعلية في ورش سيادي من أكبر أوراش الدولة المغربية المعاصرة.
واليوم، بينما يواصل المغرب تثبيت طموحه في مجالات الهيدروجين الأخضر، والمعادن الحرجة، والبنيات التحتية الطاقية الكبرى، والتموقع كمحور يربط إفريقيا بأوروبا وبالفضاء الأطلسي، يبدو من المشروع القول إن أسماء مثل أمينة بنخضرة لم تكن مجرد شاهدة على هذا التحول، بل كانت من بين من أسهموا في وضع أسسه الأولى، وفي تأطير منطقه الاستراتيجي، وفي إكسابه بعده المؤسساتي الرصين.
لهذا كله، فإن أمينة بنخضرة لا تختصر في صفة مديرة أو مسؤولة أو خبيرة، بل تُقرأ بوصفها إحدى الشخصيات التي منحت لملف الطاقة في المغرب عمقاً مؤسساتياً ورؤية بعيدة المدى. إنها من ذلك الجيل من الكفاءات الوطنية التي لا ترفع صوتها كثيراً، لكنها ترفع منسوب الثقة في الدولة، وتمنح المؤسسات معنى، وتؤكد أن بناء السيادة لا يتم بالشعارات، بل بالعلم، والانضباط، وطول النفس، والقدرة على تحويل الملفات المعقدة إلى مكاسب استراتيجية للوطن.



