Non classé

جامع السلطان قابوس الأكبر… حين تصوغ العمارة معنى الجلال

ليست كل المساجد الكبيرة قادرة على أن تجعل الزائر ينسى حجمها. بعض الصروح تفرض عظمتها بالارتفاع والاتساع والزخرفة، أما جامع السلطان قابوس الأكبر في مسقط، فيفعل شيئًا أكثر دقة: يبهر العين أولًا، ثم لا يلبث أن يدفعها إلى التأمل. كأن البناء، على ضخامته، لم يُشيد لكي يستعرض قوته، وإنما لكي يقود الإنسان تدريجيًا من الخارج إلى الداخل، ومن صخب المدينة إلى فضاء آخر تتراجع فيه الأصوات وتعلو فيه رهبة المعنى.
وهنا تكمن خصوصية هذا الجامع. فهو ليس مجرد أحد أبرز معالم مسقط، ولا فقط أكبر مسجد أمر السلطان قابوس بن سعيد ببنائه في سلطنة عُمان، بل يبدو، عند قراءة تاريخه وتفاصيله، خلاصةً مكثفة لفلسفة كاملة أرادت التحديث من دون اقتلاع الجذور، والانفتاح على العالم من دون ذوبان الهوية.
بدأت قصة الجامع رسميًا سنة 1992، عندما وجّه السلطان قابوس بن سعيد بإنشاء جامع كبير يكون معلمًا دينيًا وحضاريًا للسلطنة. وفي العام التالي أُطلقت مسابقة معمارية لاختيار التصميم، قبل أن تبدأ أعمال البناء في منتصف التسعينيات وتستمر نحو ست سنوات، إلى أن افتُتح الجامع سنة 2001. ولم تكن الفكرة إنشاء مصلى واسع وحسب، بل إقامة مركز تتجاور فيه العبادة والمعرفة والثقافة، وهو ما يفسر حضور المكتبة ومعهد العلوم الإسلامية وقاعة المحاضرات والندوات إلى جانب فضاءات الصلاة.
منذ البداية، كان المشروع أكبر من مبنى منفرد. فقد اختير له موقع واسع في ولاية بوشر، قريب من الطريق المؤدي إلى قلب مسقط، وعلى مساحة إجمالية تبلغ نحو 416 ألف متر مربع، بينما يمتد مجمع الجامع على مساحة تقارب أربعين ألف متر مربع. وتصل طاقته الاستيعابية الإجمالية إلى نحو عشرين ألف مصلٍ ومصلية، منهم قرابة 6500 في قاعة الصلاة الرئيسية، فضلًا عن مصلى النساء والساحات والأروقة الخارجية.
لكن الأرقام، مهما بلغت ضخامتها، لا تفسر الجامع.

ما يفسره حقًا هو العناية بالتفاصيل.
فقرار السلطان قابوس لم يكن متجهًا إلى بناء منشأة ضخمة بقدر ما كان متجهًا إلى صياغة مكان له شخصيته الخاصة. ولذلك جاءت المسابقة المعمارية، ثم اختيار عناصر فنية ومعمارية متعددة المشارب، في محاولة لبناء فضاء يجمع ذاكرة الفن الإسلامي الممتدة جغرافيًا وتاريخيًا من دون أن يفقد ملامحه العُمانية.
وتكشف الأعمال الفنية والزخرفية الموجودة في قاعات الجامع عن تعدد مدارس العمارة والزخرفة الإسلامية التي امتدت من الأندلس إلى آسيا، في الوقت الذي استُلهمت فيه أجزاء من السقوف الخشبية من أنماط عُمانية تقليدية. وهنا تظهر عبقرية المشروع: لم يكن المقصود نسخ عمارة تاريخية بعينها، بل تركيب لغة معمارية يمكن أن تتجاور فيها عُمان مع فضاءات الحضارة الإسلامية المختلفة.
لذلك فإن التجول في الجامع يشبه، بصورة ما، عبور خريطة فنية للعالم الإسلامي.
الرخام الأبيض والرمادي يكسو جدران قاعة الصلاة الرئيسية. الأقواس المدببة تتقاطع تحت القبة. المشربيات والزجاج الملون والخطوط والزخارف النباتية والهندسية تتجاور من دون ازدحام. الآيات القرآنية المحفورة في الحجر لم تُعامل كعنصر تزييني عابر، بل جُعلت جزءًا من بنية المكان وذاكرته. أما الأبواب، فتتداخل عليها الزخارف الإسلامية مع الآيات المكتوبة بخط الثلث، في تأكيد متكرر على أن الكلمة القرآنية جزء من العمارة نفسها وليست إضافة عليها.
والجامع، رغم كل ذلك الثراء، لا يعطي شعورًا بالفوضى البصرية.
تلك نقطة جوهرية.
فالترف هنا منضبط، والزخرفة محكومة بالإيقاع، والمسافات محسوبة بحيث لا ينافس عنصرٌ آخر. القبة الكبرى ترتفع إلى نحو خمسين مترًا، والمئذنة المركزية إلى أكثر من تسعين مترًا، تحيط بها أربع مآذن أصغر، في تكوين أصبحت خطوطه جزءًا من صورة مسقط المعاصرة. والمآذن الخمس تُقرأ رمزيًا باعتبارها إحالة إلى أركان الإسلام الخمسة.
غير أن أعظم تفاصيل الجامع قد تكون تحت أقدام المصلين وفوق رؤوسهم.
في أرضية قاعة الصلاة تمتد السجادة الفارسية الشهيرة المصنوعة قطعة واحدة لتغطي نحو 4200 متر مربع. وتضم عددًا هائلًا من العقد وتزن قرابة 21 طنًا، واستغرق إنجازها أكثر من عامين، واستُخدمت في نسجها عشرات الدرجات اللونية المستمدة في معظمها من أصباغ طبيعية. وقد أُنجزت بأمر من ديوان البلاط السلطاني، في عمل حرفي بالغ التعقيد ارتبط بتقاليد السجاد الفارسي العريق.
واللافت أن السجادة، رغم قيمتها الفنية الهائلة، لا تبدو وكأنها وُضعت لكي تُعرض. وظيفتها الأولى ما تزال هي أن يسجد فوقها الإنسان.
وهذا ربما أحد أسرار الجامع كله: الأشياء شديدة الفخامة فيه لا تفقد وظيفتها الروحية.
وفوق السجادة تتدلى الثريا الرئيسية العملاقة التي بلغ ارتفاعها نحو أربعة عشر مترًا وتزن عدة أطنان، وتحمل مئات الآلاف من قطع الكريستال وأكثر من ألف مصدر إضاءة. غير أن قيمتها داخل القاعة لا تأتي من أرقامها وحدها، بل من علاقتها بالقبة وبالسجادة وبحجم الفراغ. فكل عنصر محسوب كي يبقى جزءًا من كلٍّ أكبر منه.
حتى المواد التي شُيد بها الجامع تكشف حجم المشروع واتساع دائرته. فقد استُخدمت في بنائه كميات ضخمة من الحجر الرملي الهندي، بينما جاءت عناصره وحرفه وطرزه من تقاليد فنية متعددة. وبذلك لم يكن استحضار العالم داخل الجامع استعراضًا للمصادر، بل كان جزءًا من فكرة أوسع: بناء صرح عُماني الهوية، إسلامي المرجعية، عالمي الحرفة.
ومع ذلك، فإن كل هذه التفاصيل المادية لا تشرح وحدها ما يحدث للإنسان عندما يدخل الجامع مصلّيًا.
هناك إحساس يصعب اختزاله في الهندسة.
فمنذ الانتقال من الساحات الخارجية إلى الأروقة، ثم إلى فضاء الصلاة، يتراجع ضجيج العالم بطريقة تدريجية. الاتساع لا يخلق الوحشة، والارتفاع لا يصنع رهبة ثقيلة، والزخارف الكثيرة لا تشتت النظر. ثمة توازن يجعل المكان، على ضخامته، قريبًا من الإنسان.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه في صلاة الفجر داخل الجامع هو أن الشعور الداخلي الذي يرافق المصلّي لا يبدو نتيجة الصمت وحده. إنه نتاج منظومة كاملة: نظافة تكاد تكون مطلقة، تنظيم هادئ، حركة محسوبة، إضاءة لا تعتدي على المكان، اتساع يمنح كل مصلٍّ فضاءه، وانضباط معماري يجعل الإنسان يشعر، للحظات، بأن المبنى نفسه قد خفّض صوته احترامًا للصلاة.
ذلك الإحساس لا تقيسه مساحة ولا ارتفاع مئذنة.
يمكن وصف القبة بالأمتار، والسجادة بالعقد، والثريا بوزنها وعدد قطع الكريستال، وعدد المصلين بالآلاف، لكن لا يوجد رقم يقيس الأثر الذي يتركه المكان في النفس، ولا مقدار الهيبة التي يشعر بها الإنسان وهو يجلس بعد الصلاة في ذلك الفضاء الواسع.
وربما هنا تحديدًا نجح جامع السلطان قابوس في الاختبار الأصعب لأي عمارة دينية: أن تتوارى العمارة نفسها في لحظة العبادة.
فالزائر يدخل أول الأمر مأخوذًا بالحجر والرخام والنقوش والقبة والثريا والسجادة، لكنه بعد دقائق من الصلاة لا يعود يرى الأشياء بالطريقة ذاتها. تتراجع فخامة العناصر إلى الخلف، ويتقدم الشعور بالمكان. يتحول الجمال من شيء يُشاهَد إلى حالة تُعاش.
وليس من قبيل المصادفة أن يتجاوز دور الجامع أداء الصلوات. فالمكتبة، التي تضم آلاف المجلدات في العلوم والثقافة الإسلامية والإنسانية، ومعهد العلوم الإسلامية، وقاعة الندوات والمحاضرات، كلها تجعل منه فضاء للمعرفة إلى جانب العبادة. وهذه الفكرة شديدة الدلالة في مشروع السلطان قابوس؛ فالمسجد في الرؤية التي يجسدها الجامع ليس مبنى للصلاة منفصلًا عن حركة المجتمع، وإنما مؤسسة تجمع الدين والعلم والثقافة والحوار.
ومن هنا يمكن فهم حرص المشروع على استحضار مدارس فنية آتية من فضاءات مختلفة من العالم، من غير أن يصبح الجامع معرضًا لتلك المدارس. إنها تتلاقى جميعًا تحت سقف عُماني، في بلد جعل الاعتدال والهدوء والاتزان جزءًا أصيلًا من صورته الحضارية.
وقد يكون هذا هو الفارق بين الفخامة والجلال.
الفخامة يمكن صناعتها بالمال وكثرة الزخارف وندرة المواد، أما الجلال فيحتاج إلى معنى.
وجامع السلطان قابوس الأكبر يمتلك هذا المعنى لأنه لم يُبن ليقول إن عُمان تستطيع تشييد بناء هائل، وإنما ليقول شيئًا أعمق عن الطريقة التي ترى بها عُمان ذاتها: دولة تعتز بجذورها، تنفتح على حضارات الآخرين بثقة، تحترم المعرفة، وتفهم أن الجمال لا يحتاج إلى صخب كي يُرى.
لهذا، لا تكتمل زيارة جامع السلطان قابوس بالنظر إلى قبته أو تصوير أروقته أو تأمل سجادته وثرياته. ثمة تجربة أخرى لا تمنحها الصور.
أن تأتيه مصلّيًا.
أن تعبر ساحاته في أول النهار، قبل ازدحام الحركة، وأن تدخل قاعة الصلاة وقد انخفضت الأصوات من حولك، ثم تقف بين يدي الله في مساحة صُممت بكل ذلك القدر من الدقة والجمال، لتكتشف أن أكثر ما بقي منك في النهاية ليس حجم القبة ولا بريق الكريستال ولا ملايين العقد في السجادة.
ما يبقى هو مهابة المكان، ودقة المعنى، وقدرة العمارة على أن ترتفع بالإنسان من النظر إلى التأمل، ومن الإعجاب إلى الخشوع.
وهنا تحديدًا يصبح جامع السلطان قابوس الأكبر أكثر من صرح معماري؛ يصبح شهادة على أن العمارة، عندما تُبنى على رؤية، يمكنها أن تصوغ الجلال من حجر، وأن تمنح التفاصيل روحًا تتجاوزها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق